تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحنين‭ ‬يبيع‭ ‬الماضي‭.. ‬كيف‭ ‬تحولت‭ ‬الذكريات‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات؟

الحنين‭ ‬يبيع‭ ‬الماضي‭.. ‬كيف‭ ‬تحولت‭ ‬الذكريات‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات؟

لم‭ ‬يكن‭ ‬آدم‭ ‬ألكسندر‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬جولة‭ ‬عابرة‭ ‬داخل‭ ‬مركز‭ ‬تسوق‭ ‬حديث‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬كاملة‭ ‬نحو‭ ‬طفولته‭. ‬وبين‭ ‬شاشات‭ ‬الألعاب‭ ‬المتطورة‭ ‬والإعلانات‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬السرعة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬توقف‭ ‬فجأة‭ ‬أمام‭ ‬جهاز‭ ‬رمادي‭ ‬صغير‭ ‬بشاشة‭ ‬متواضعة‭ ‬وأزرار‭ ‬باهتة،‭ ‬ليكتشف‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬جهاز‭ ‬‮«‬نينتندو‭ ‬جيم‭ ‬بوي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬رافقه‭ ‬في‭ ‬سنواته‭ ‬الأولى‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬رجلاً‭ ‬في‭ ‬الأربعين‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬تحاصره‭ ‬المسؤوليات‭ ‬اليومية،‭ ‬بل‭ ‬عاد‭ ‬طفلًا‭ ‬يجلس‭ ‬لساعات‭ ‬محاولاً‭ ‬إنقاذ‭ ‬‮«‬ماريو‮»‬‭ ‬أو‭ ‬اصطياد‭ ‬شخصيات‭ ‬‮«‬بوكيمون‮»‬،‭ ‬مستعيداً‭ ‬شعوراً‭ ‬قديماً‭ ‬بالسعادة‭ ‬والبساطة‭.‬
هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬العاطفية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تجربة‭ ‬شخصية‭ ‬يعيشها‭ ‬الأفراد‭ ‬بصورة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬اقتصادي‭ ‬متكامل‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬استراتيجيات‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الألعاب‭ ‬والسينما‭ ‬والموضة‭ ‬والمقتنيات‭. ‬فخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬اكتشفت‭ ‬الشركات‭ ‬أن‭ ‬المستهلك‭ ‬لا‭ ‬يشتري‭ ‬المنتج‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشتري‭ ‬الإحساس‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرافقه‭ ‬عندما‭ ‬استخدمه‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭. ‬لذلك‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الحنين‮»‬‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أسرع‭ ‬القطاعات‭ ‬نمواً‭ ‬داخل‭ ‬الصناعات‭ ‬الترفيهية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬طفولتها‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬والتسعينيات‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬الأكبر‭.‬
وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬المقتنيات‭ ‬العالمي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬320.3‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الألعاب‭ ‬القديمة‭ ‬والقصص‭ ‬المصورة‭ ‬والتذكارات‭ ‬النادرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬منصات‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬إيباي‮»‬‭ ‬و«ستوك‭ ‬إكس‮»‬‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الذكريات‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬قابلة‭ ‬للبيع‭ ‬والتداول‭ ‬والاستثمار‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬مجرد‭ ‬هواية‭ ‬بسيطة‭ ‬لجمع‭ ‬بطاقات‭ ‬‮«‬بوكيمون‮»‬‭ ‬أو‭ ‬أجهزة‭ ‬‮«‬سيجا‮»‬‭ ‬القديمة،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬سوقاً‭ ‬عالمياً‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬مبالغ‭ ‬ضخمة،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بعاطفة‭ ‬جماعية‭ ‬تجاه‭ ‬الماضي‭.‬

عالم‭ ‬الألعاب
تُعد‭ ‬صناعة‭ ‬ألعاب‭ ‬الفيديو‭ ‬المثال‭ ‬الأوضح‭ ‬على‭ ‬نجاح‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الحنين‮»‬‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأرباح‭. ‬فبعدما‭ ‬كانت‭ ‬الألعاب‭ ‬القديمة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬رسومات‭ ‬محدودة‭ ‬وتقنيات‭ ‬بسيطة،‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬تعيد‭ ‬تقديمها‭ ‬بجودة‭ ‬بصرية‭ ‬وصوتية‭ ‬متطورة،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬القصة‭ ‬والشخصيات‭ ‬التي‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬اللاعبون‭ ‬قديماً،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬سوق‭ ‬الألعاب‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬184‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬أصبحت‭ ‬النسخ‭ ‬المطورة‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الأرباح‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭.‬
وقدمت‭ ‬شركة‭ ‬Capcom‭ ‬نموذجاً‭ ‬واضحاً‭ ‬لهذا‭ ‬النجاح‭ ‬بعدما‭ ‬باعت‭ ‬النسخة‭ ‬المطورة‭ ‬من‭ ‬لعبة‭ ‬‮«‬ريزيدنت‭ ‬إيفل‭ ‬4‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬ملايين‭ ‬نسخة‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭. ‬كما‭ ‬واصلت‭ ‬Nintendo‭ ‬استثمار‭ ‬شخصياتها‭ ‬التاريخية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬سوبر‭ ‬ماريو‮»‬‭ ‬و«زيلدا‮»‬‭ ‬لتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬ضخمة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬النجاح‭ ‬الكبير‭ ‬لفيلم‭ ‬‮«‬سوبر‭ ‬ماريو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تجاوزت‭ ‬إيراداته‭ ‬1‭.‬36‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عالمياً،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬مبيعات‭ ‬الألعاب‭ ‬القديمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالشخصية‭ ‬نفسها‭.‬
ولا‭ ‬يرتبط‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بالعاطفة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالحسابات‭ ‬المالية‭ ‬أيضاً‭. ‬فإنتاج‭ ‬لعبة‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬يتجاوز‭ ‬200‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬بينما‭ ‬تملك‭ ‬الألعاب‭ ‬القديمة‭ ‬قاعدة‭ ‬جماهيرية‭ ‬جاهزة‭ ‬تقلل‭ ‬تكاليف‭ ‬التسويق‭ ‬وترفع‭ ‬احتمالات‭ ‬النجاح‭ ‬التجاري‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬أعادت‭ ‬‮«‬نينتندو‮»‬‭ ‬طرح‭ ‬جهاز‭ ‬‮«‬إن‭ ‬إي‭ ‬إس‮»‬‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬بنسخة‭ ‬مصغرة،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3.6‭ ‬مليون‭ ‬جهاز‭ ‬رغم‭ ‬قدم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المستخدمة‭ ‬فيه‭. ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تتعمد‭ ‬تقليد‭ ‬أسلوب‭ ‬ألعاب‭ ‬التسعينيات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الرسومات‭ ‬والموسيقى‭ ‬وطريقة‭ ‬اللعب،‭ ‬مستهدفة‭ ‬جمهوراً‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬مشاعر‭ ‬الماضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بحثه‭ ‬عن‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة‭.‬
هوليوود‭ ‬تعيد‭ ‬تدوير‭ ‬الماضي

في‭ ‬المقابل،‭ ‬أصبحت‭ ‬هوليوود‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«أفلام‭ ‬الإرث‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬إحياء‭ ‬قصص‭ ‬وشخصيات‭ ‬قديمة‭ ‬بهدف‭ ‬جذب‭ ‬جمهورين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه؛‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬العمل‭ ‬الأصلي،‭ ‬والجيل‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يكتشفه‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭. ‬ويُعتبر‭ ‬فيلم‭ ‬Top Gun‭: ‬Maverick‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بعدما‭ ‬حقق‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬1.5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عالمياً،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬ارتباط‭ ‬جمهور‭ ‬الثمانينيات‭ ‬بالشخصية‭ ‬الرئيسية‭ ‬وأجواء‭ ‬الفيلم‭ ‬القديمة‭.‬
الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬تكرر‭ ‬مع‭ ‬Marvel Studios‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬شخصيات‭ ‬ونجوماً‭ ‬قدامى‭ ‬عبر‭ ‬أفلام‭ ‬‮«‬العوالم‭ ‬المتعددة‮»‬،‭ ‬مثل‭ ‬عودة‭ ‬Tobey Maguire‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬Spider-Man‭: ‬No Way Home،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬إيرادات‭ ‬الفيلم‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬كما‭ ‬حقق‭ ‬فيلم‭ ‬Barbie‭ ‬نجاحاً‭ ‬هائلاً‭ ‬تجاوز‭ ‬1‭.‬44‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬محولاً‭ ‬دمية‭ ‬قديمة‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬وتجارية‭ ‬عالمية‭.‬

الحنين‭ ‬كقوة‭ ‬اقتصادية
وراء‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تقف‭ ‬أسباب‭ ‬نفسية‭ ‬عميقة،‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«الاسترجاع‭ ‬الوردي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ميل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬تذكر‭ ‬الماضي‭ ‬بصورة‭ ‬أجمل‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬فعلاً‭. ‬اقتصادياً،‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬علاوة‭ ‬الحنين‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬المستهلك‭ ‬مستعداً‭ ‬لدفع‭ ‬أسعار‭ ‬أعلى‭ ‬مقابل‭ ‬منتج‭ ‬يعيده‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬يشعر‭ ‬تجاهها‭ ‬بالراحة‭ ‬أو‭ ‬السعادة‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬عادت‭ ‬أسطوانات‭ ‬‮«‬الفينيل‮»‬‭ ‬للنمو‭ ‬مجدداً‭ ‬رغم‭ ‬انتهاء‭ ‬عصرها‭ ‬منذ‭ ‬التسعينيات،‭ ‬كما‭ ‬ازدهرت‭ ‬موضة‭ ‬الملابس‭ ‬القديمة‭ ‬والعملات‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬وإعادة‭ ‬بيع‭ ‬المنتجات‭ ‬التراثية‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

رجوع لأعلى