الحوكمة.. درع المؤسسات في زمن التحديات
تُعد حوكمة الشركات في ألمانيا من النماذج المؤسسية التي تتميز بخصوصية واضحة، إذ يقوم النظام الإداري فيها على هيكل ثنائي يفرضه القانون، بحيث يتم الفصل بين الجهة التنفيذية والجهة الرقابية داخل الشركة.
ويتولى مجلس الإدارة مسؤولية إدارة الأعمال والعمليات التشغيلية، في حين تتولى هيئة الإشراف مراقبة أداء المجلس التنفيذي ومتابعة التزامه بالسياسات والمعايير المعتمدة. ويهدف هذا الفصل إلى تعزيز الرقابة الداخلية والحد من تضارب المصالح داخل المؤسسات الكبرى.
كما يتميز النموذج الألماني بمشاركة العاملين في تكوين الهيئات الرقابية، خاصة في الشركات الكبيرة التي يتجاوز عدد موظفيها 500 موظف، حيث يُنتخب أعضاء مجلس الإشراف من قبل المساهمين والعاملين معاً، ويمنح الموظفون حق اختيار ثلث أو نصف أعضاء المجلس تبعاً لحجم المؤسسة. أما أعضاء الإدارة التنفيذية فلا يتم انتخابهم مباشرة من قبل المساهمين أو العاملين، بل يتم تعيينهم من خلال المجلس الإشرافي، الأمر الذي يعكس طبيعة التوازن المؤسسي الذي يقوم عليه النظام الألماني.
ويعتمد إطار الحوكمة في ألمانيا على مبدأ «الالتزام أو التفسير»، والذي يفرض على الشركات الالتزام بالقواعد التنظيمية أو تقديم توضيحات معلنة في حال عدم تطبيقها، بما يعزز مستويات الشفافية والإفصاح أمام المساهمين والأسواق.
الرقابة المؤسسية
ومن أبرز النماذج العالمية التي طبقت مبادئ الحوكمة المؤسسية بصورة متقدمة مصرف جي بي مورغان، الذي يعتمد على مجلس إدارة يتمتع بالاستقلالية والتنوع والخبرة، بما يتيح له القيام بدوره الرقابي نيابة عن المساهمين بكفاءة عالية. ويستند البنك إلى تقاليد مؤسسية ممتدة منذ أكثر من قرنين، مدعومة بمجموعة من القواعد المستوحاة من معايير سوق الأسهم في مدينة نيويورك الأمريكية، حيث تشكل الاستقلالية أحد أهم مرتكزات العمل الإداري والرقابي.
ويتولى المجلس الإشراف على العمليات الداخلية، وتقييم الأداء، وإدارة المخاطر، ومتابعة التقارير المالية، إضافة إلى التأكد من توافق أنشطة المؤسسة مع القوانين واللوائح ومواثيق السلوك المهني. كما يشرف على وضع سياسات المكافآت والتعويضات، وتحديد أسس تعيين القيادات التنفيذية، ومتابعة خطط التعاقب الوظيفي والتنوع المؤسسي، فضلاً عن مراجعة الأهداف الاستراتيجية والمالية والأنشطة الاجتماعية للمؤسسة.
ويضم ميثاق السلوك في البنك مجموعة من السياسات التي تهدف إلى مساعدة الموظفين والإدارة في اتخاذ القرارات المهنية وفق معايير أخلاقية واضحة، مع التركيز على النزاهة وحماية السمعة المؤسسية باعتبارهما من أهم الأصول التي لا يجوز التفريط بها مهما كانت المكاسب المحتملة. كما يركز الميثاق الأخلاقي على ترسيخ مبادئ الصدق والالتزام بالقوانين، خاصة فيما يتعلق بحفظ البيانات والسجلات المالية.
وفي الجانب المتصل بالشأن العام، يرى البنك أن للسياسات العامة تأثيراً مباشراً في أعمال الشركات وموظفيها، الأمر الذي يدفعه إلى التفاعل مع العملية السياسية بما يضمن حماية مصالح المؤسسة واستدامة أعمالها على المدى الطويل.
النموذج الإماراتي
وفي السياق ذاته، يُنظر إلى نموذج الحوكمة في شركة الإمارات للاتصالات المتكاملة «دو» بوصفه نموذجاً قائماً على الشفافية والمساءلة والالتزام المؤسسي، حيث حرصت الشركة على مواءمة أنظمتها مع قرار مجلس إدارة هيئة الأوراق المالية والسلع بشأن معايير الانضباط المؤسسي وحوكمة الشركات المساهمة العامة الصادر عام 2016. كما واصلت تطوير منظومتها الإدارية بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية، من خلال الالتزام بالقواعد التنظيمية وتعزيز التواصل مع المساهمين وأصحاب المصالح، إلى جانب تحقيق التوازن بين الأهداف قصيرة الأمد والخطط الاستراتيجية بعيدة المدى.
وتستند فعالية الحوكمة داخل الشركة إلى وضوح توزيع المهام والمسؤوليات بين المساهمين ومجلس الإدارة واللجان التابعة له والإدارة التنفيذية، مع اعتماد منظومة صلاحيات واضحة تعزز مبدأ المرجعية والمساءلة المؤسسية، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وضمان حسن اتخاذ القرار.
أما غرفة تجارة دبي، التي تأسست عام 1965، فتُعد إحدى المؤسسات ذات النفع العام التي تعمل على دعم مجتمع الأعمال وحماية مصالحه، من خلال توفير بيئة محفزة للاستثمار والتجارة، وترسيخ مكانة دبي كمركز اقتصادي وتجاري عالمي. وتقوم الغرفة بدور محوري في دعم نمو الأعمال وتعزيز تنافسية الإمارة على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي عام 2021 أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم اعتماد هيكلة جديدة لغرف دبي، تتضمن ثلاث غرف متخصصة تشمل التجارة، والاقتصاد الرقمي، والتجارة العالمية، بهدف تعزيز دور الغرفة كأداة تنموية رئيسية تدعم الاقتصاد المحلي وترسخ موقع دبي كعاصمة للمال والأعمال.
ويعكس تبني مفاهيم الحوكمة في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة مستوى الوعي المتزايد بأهمية الرقابة على الأداء المؤسسي ومتابعة كفاءة الإدارة التنفيذية، من خلال منظومة من القوانين والضوابط والإجراءات التي تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز في الأداء، وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة، إلى جانب حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح وتنظيم توزيع الأدوار والمسؤوليات ضمن هياكل إدارية واضحة ومحكمة.
كما أن بناء مؤسسة قائمة على أسس الحوكمة يتطلب توفير مجموعة من المعايير الأساسية، من أبرزها إعداد نظام أو لائحة حوكمة خاصة بالمؤسسة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة من الجهات المختصة. وتُعد هذه اللوائح المرجع القانوني الأساسي الذي ينظم العلاقة بين مختلف مكونات المؤسسة، ويحدد الصلاحيات والاختصاصات وآليات الرقابة والمتابعة، بما يضمن سلامة الأداء المؤسسي واستدامته.
التنظيم القانوني
كما ينبغي أن تتضمن الوثيقة القانونية الخاصة بحوكمة المؤسسة تعريفاً واضحاً بطبيعة المؤسسة وأهدافها والصلاحيات القانونية الممنوحة لها لتحقيق تلك الأهداف، إضافة إلى توضيح الجهات الرقابية والإشرافية المخولة بمتابعة أعمالها والأساس القانوني الذي تستند إليه في ممارسة هذا الدور. ويشمل ذلك أيضاً عرض أنشطة المؤسسة وخططها المستقبلية وآليات تنفيذ استراتيجياتها المختلفة.
ومن الضروري كذلك أن تتناول هذه الوثيقة المعايير الأساسية للحوكمة، وفي مقدمتها الإفصاح والشفافية والمساءلة، إلى جانب الضوابط والإجراءات التي تضمن تطبيق هذه المبادئ والالتزام بها بصورة فعالة. كما يجب توضيح المخاطر المحتملة المرتبطة بعمل المؤسسة وآليات التعامل معها للحد من آثارها أو معالجتها بالشكل المناسب.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية توضيح طريقة تشكيل مجلس الإدارة، وتحديد اختصاصاته وصلاحيات لجانه المختلفة، مع بيان طبيعة العلاقة والتنسيق بين هذه الجهات بما يضمن التطبيق السليم لمبادئ الحوكمة. كما يتطلب الأمر تحديد دور الإدارة التنفيذية العليا والصلاحيات المخولة لها من قبل مجلس الإدارة بصورة واضحة وشفافة.
الإشراف الداخلي
ومن الجوانب الأساسية أيضاً وجود منظومة رقابية متكاملة داخل المؤسسة تضمن الإشراف الفاعل على مختلف الأنشطة والعمليات، وهو ما يستوجب توفير إدارات متخصصة قادرة على أداء مهام الرقابة والمتابعة بكفاءة، مثل إدارات التدقيق الداخلي، وإدارة المخاطر، والإدارة القانونية، وإدارة الحوكمة، وإدارة الامتثال، وغيرها من الجهات ذات العلاقة بالرقابة والإشراف المؤسسي.
ولا يقتصر الأمر على إنشاء هذه الإدارات فحسب، بل يمتد إلى ضرورة توفير اللوائح والأنظمة التي تنظم عملها وتمنحها الصلاحيات الكافية لأداء مهامها بوضوح وفاعلية، مع توفير الضمانات التي تمكنها من متابعة التنفيذ ومراجعة مختلف الإجراءات والتفاصيل المرتبطة بالعمل المؤسسي كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
ومن المعايير الجوهرية في الحوكمة أيضاً توفير الضمانات الكفيلة بتقديم أفضل الخدمات لجميع أصحاب المصالح المرتبطين بالمؤسسة، سواء كانوا مساهمين أو متعاملين أو عملاء أو جهات أخرى تستفيد من خدمات المؤسسة وأنشطتها.
المسؤولية المجتمعية
كما تفرض معايير الحوكمة الحديثة توفير الحماية القانونية والمهنية لموظفي المؤسسة، باعتبارهم من أهم عناصر نجاحها واستقرارها، وذلك من خلال وضع أنظمة تكفل حقوقهم العملية والاجتماعية والأسرية، بما يعزز بيئة العمل ويرسخ الاستقرار الوظيفي، وهو ما أصبح اليوم جزءاً أساسياً من متطلبات الحوكمة المؤسسية المعاصرة.
وفي المقابل، تتحمل المؤسسة مسؤولية تجاه المجتمع الذي تعمل ضمنه، إذ تفرض معايير الحوكمة على المؤسسات القيام بدور اجتماعي يسهم في خدمة المجتمع ودعم احتياجاته الأساسية، بما يعزز علاقتها بمحيطها ويكرس مكانتها كشريك فاعل في التنمية. كما أن التزام المؤسسة بمسؤولياتها الاجتماعية يسهم في تعزيز ثقة المجتمع بها ودعمها باعتبارها جزءاً أساسياً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي.