تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحوكمة‭ ‬ضمانة‭ ‬وجودية‭ ‬لمستقبل‭ ‬الكيانات‭ ‬الاقتصادية

FGH33

في‭ ‬عالمٍ‭ ‬باتت‭ ‬فيه‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬تموج‭ ‬بالتحولات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭ ‬مجرد‭ ‬ترفٍ‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬شعاراتٍ‭ ‬براقة‭ ‬تزين‭ ‬التقارير‭ ‬السنوية،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬‮«‬العمود‭ ‬الفقري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يستقيم‭ ‬به‭ ‬جسد‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والدرع‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬رياح‭ ‬الإفلاس‭ ‬وسوء‭ ‬الإدارة‭. ‬إنها‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يصهر‭ ‬السلطة‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الشفافية‭ ‬لغةً‭ ‬وحيدة‭ ‬للتعامل‭ ‬بين‭ ‬كافة‭ ‬الأطراف‭.‬
في‭ ‬عالمٍ‭ ‬باتت‭ ‬فيه‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬تموج‭ ‬بالتحولات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭ ‬مجرد‭ ‬ترفٍ‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬شعاراتٍ‭ ‬براقة‭ ‬تزين‭ ‬التقارير‭ ‬السنوية،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬‮«‬العمود‭ ‬الفقري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يستقيم‭ ‬به‭ ‬جسد‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والدرع‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬رياح‭ ‬الإفلاس‭ ‬وسوء‭ ‬الإدارة‭. ‬إنها‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يصهر‭ ‬السلطة‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الشفافية‭ ‬لغةً‭ ‬وحيدة‭ ‬للتعامل‭ ‬بين‭ ‬كافة‭ ‬الأطراف‭.‬

أولاً‭: ‬ماهية‭ ‬الحوكمة‭.. ‬الميزان‭ ‬الذي‭ ‬يضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي
تُعرف‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬بأنها‭ ‬ميثاق‭ ‬القواعد‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬والملاك‭. ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬العمليات‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنظيم‭ ‬والرقابة،‭ ‬لضمان‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬بكفاءة‭ ‬قصوى‭. ‬ووفقاً‭ ‬لمنظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ (‬OECD‭)‬،‭ ‬فهي‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬العلاقات‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬أهداف‭ ‬المؤسسة‭ ‬ويراقب‭ ‬نتائجها،‭ ‬موفراً‭ ‬الحوافز‭ ‬اللازمة‭ ‬للقيادة‭ ‬العليا‭ ‬لتحقيق‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬للمساهمين،‭ ‬تحت‭ ‬رقابةٍ‭ ‬لا‭ ‬تغفل‭.‬

ثانياً‭: ‬الجذور‭ ‬التاريخية‭.. ‬كيف‭ ‬ولدت‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية؟
لم‭ ‬يكن‭ ‬بزوغ‭ ‬نجم‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬صرخة‭ ‬نجاة‭ ‬أعقبت‭ ‬زلازل‭ ‬مالية‭ ‬ضربت‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬وروسيا‭. ‬ومع‭ ‬تحول‭ ‬الاقتصادات‭ ‬نحو‭ ‬الرأسمالية‭ ‬وفصل‭ ‬الملكية‭ ‬عن‭ ‬الإدارة،‭ ‬ظهرت‭ ‬فجوة‭ ‬رقابية‭ ‬خطيرة‭ ‬استغلها‭ ‬بعض‭ ‬التنفيذيين،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬لانهيارات‭ ‬مدوية‭ ‬مثل‭ ‬أزمة‭ ‬‮«‬أنرون‮»‬‭ ‬و»ورلد‭ ‬كوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2001‭. ‬هذه‭ ‬الهزات‭ ‬أكدت‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬يعني‭ ‬حتماً‭ ‬تبخر‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وضياع‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭.‬

ثالثاً‭: ‬قضية‭ ‬‮«‬سنترال‭ ‬بن‮»‬‭ ‬والدروس‭ ‬القاسية‭ ‬في‭ ‬النزاهة‭ ‬المهنية
بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الجذور‭ ‬اللغوية‭ ‬والتشريعيــة،‭ ‬نجـد‭ ‬أن‭ ‬مصطلـح‭ ‬‮«‬Corporate Governance‮»‬‭ ‬تكرس‭ ‬في‭ ‬السبعينيات‭ ‬عقب‭ ‬إفلاس‭ ‬شركة‭ ‬النقل‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬Central Penn‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1970،‭ ‬والتي‭ ‬سقطت‭ ‬رغم‭ ‬نجاحاتها‭ ‬التوسعية‭. ‬تلك‭ ‬الحادثة‭ ‬دفعت‭ ‬هيئة‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭ ‬والبورصات‭ ‬الأمريكية‭ (‬SEC‭) ‬لإعلان‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬المضللة،‭ ‬وألزمت‭ ‬المؤسسات‭ ‬بتشكيل‭ ‬لجان‭ ‬مراجعة‭ ‬داخلية‭ ‬تضم‭ ‬أعضاءً‭ ‬مستقلين،‭ ‬لتكون‭ ‬حائط‭ ‬الصد‭ ‬الأول‭ ‬ضد‭ ‬الفساد‭ ‬الإداري‭.‬

رابعاً‭: ‬منظومة‭ ‬OECD‭.. ‬رسم‭ ‬الملامح‭ ‬الدولية‭ ‬للرقابة‭ ‬الرشيدة
في‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬وضعت‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬دستوراً‭ ‬عالمياً‭ ‬للحوكمة،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬معايير‭ ‬تتخطى‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭. ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالتوجيه‭ ‬الإداري،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليضمن‭ ‬تناسق‭ ‬العمليات‭ ‬مع‭ ‬القوانين‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬نزاهة‭ ‬الأسواق‭ ‬وتشجيع‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬وشفافة‭.‬

خامساً‭: ‬الأطر‭ ‬التشريعية‭.. ‬بناء‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬لحماية‭ ‬الاستثمارات
لا‭ ‬يمكن‭ ‬للحوكمة‭ ‬أن‭ ‬تنبت‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬سبخة؛‭ ‬لذا‭ ‬يجب‭ ‬توفر‭ ‬إطار‭ ‬فعّال‭ ‬يشمل‭ ‬تشريعات‭ ‬وقوانين‭ ‬واضحة،‭ ‬وأسواق‭ ‬مالية‭ ‬تتسم‭ ‬بالشفافية‭. ‬إن‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بدقة‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬الإشرافية‭ ‬والتنفيذية‭ ‬هو‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬بنية‭ ‬فوقية‭ ‬تضمن‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون،‭ ‬وتحفز‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العام،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬النزاهة‭ ‬صفة‭ ‬ملازمة‭ ‬لكل‭ ‬عملية‭ ‬تجارية‭.‬

سادساً‭: ‬مقدسات‭ ‬الحوكمة‭.. ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وصيانة‭ ‬ملكياتهم
تعتبر‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬هي‭ ‬الغاية‭ ‬الأسمى‭ ‬لنظام‭ ‬الحوكمة‭. ‬ويتمثل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬آليات‭ ‬تسجيل‭ ‬الملكية‭ ‬ونقل‭ ‬الأسهم،‭ ‬وتمكينهم‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬للمعلومات‭ ‬في‭ ‬توقيتات‭ ‬دقيقة‭. ‬فالمساهم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممول،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شريك‭ ‬يملك‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬القوائم‭ ‬المالية،‭ ‬التصويت‭ ‬في‭ ‬الجمعيات‭ ‬العامة،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬نصيبه‭ ‬العادل‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬أو‭ ‬موجودات‭ ‬المؤسسة‭ ‬عند‭ ‬التصفية‭.‬

سابعاً‭: ‬عدالة‭ ‬التوزيع‭.. ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬المساهمين‭ ‬كحق‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التجزئة
من‭ ‬المبادئ‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬الحوكمة‭ ‬ضرورة‭ ‬المعاملة‭ ‬المتساوية‭ ‬لكافة‭ ‬المساهمين‭ ‬داخل‭ ‬الفئة‭ ‬الواحدة‭. ‬وهذا‭ ‬يشمل‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحهم‭ ‬القانونية،‭ ‬وحمايتهم‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الاستحواذ‭ ‬المشبوهة،‭ ‬ومنع‭ ‬استغلال‭ ‬المعلومات‭ ‬الداخلية‭ (‬Insider Trading‭). ‬إن‭ ‬الحوكمة‭ ‬تمنع‭ ‬تغول‭ ‬كبار‭ ‬المساهمين‭ ‬على‭ ‬الصغار،‭ ‬وتكفل‭ ‬للجميع‭ ‬حق‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬التي‭ ‬يجريها‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬أو‭ ‬التنفيذيون‭.‬

ثامناً‭: ‬الشفافية‭ ‬المطلقة‭.. ‬الإفصاح‭ ‬كأداة‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح
يمثل‭ ‬الإفصاح‭ ‬السليم‭ ‬والموقوت‭ ‬‮«‬النافذة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬العالم‭ ‬حقيقة‭ ‬وضع‭ ‬المؤسسة‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬النتائج‭ ‬المالية،‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬هيكل‭ ‬الملكية،‭ ‬وسياسات‭ ‬المكافآت‭. ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬الأمر‭ ‬لمؤهلات‭ ‬القيادات‭ ‬وآليات‭ ‬اختيارهم‭. ‬فالإفصاح‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سرد‭ ‬للأرقام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬بيان‭ ‬للحقائق‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬مدققين‭ ‬خارجيين‭ ‬مستقلين،‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تزييف‭ ‬الواقع‭.‬
في‭ ‬الختام،‭ ‬تتجلى‭ ‬الحوكمة‭ ‬كحجر‭ ‬زاوية‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬الربحية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬الربحي‭ ‬أيضاً‭. ‬فهي‭ ‬تضمن‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬نحو‭ ‬غاياتها‭ ‬السامية‭ ‬وتعظيم‭ ‬الفائدة‭ ‬العامة‭. ‬إن‭ ‬التزام‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‭ ‬بهذه‭ ‬المعايير‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬‮«‬رصيد‭ ‬الثقة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬الحصانة‭ ‬اللازمة‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬ويجعل‭ ‬منها‭ ‬كياناً‭ ‬عصياً‭ ‬على‭ ‬الانهيار،‭ ‬وقادراً‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

رجوع لأعلى