الدولار والفائدة يعمقان خسائر الذهب عالميا
عمقت أسعار الذهب خسائرها خلال تعاملات الثلاثاء، تحت ضغط ارتفاع الدولار وتصاعد توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية، في وقت يوازن فيه المستثمرون بين مخاطر استمرار المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وتأثير ارتفاع أسعار النفط في التضخم، بينما تتجه الأنظار إلى سلسلة من بيانات سوق العمل الأميركية التي قد تلعب دوراً رئيسياً في تحديد اتجاه المعدن النفيس خلال الأيام المقبلة.
وتأتي خسائر الذهب رغم استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي التي تمنح المعدن عادة دعماً باعتباره أحد أهم أصول الملاذ الآمن. إلا أن المشهد الحالي يبدو أكثر تعقيداً، بعدما أصبح تأثير الحرب يمر أيضاً عبر أسعار الطاقة والتضخم، ما يزيد احتمالات رفع أسعار الفائدة ويضغط بالتالي على الذهب الذي لا يدر عائداً.
ضغط الدولار
وتزامن تراجع المعدن النفيس مع ارتفاع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة مـن ست عملات رئيسية، بنحـو 0.15 % ليتداول عند 99.60 نقطة، وهو ما أضاف ضغوطاً على الذهب وجعله أكثر تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى.
ويشكل تحرك الدولار أحد أهم العوامل المؤثرة في المعدن الأصفر، إذ تتحرك الأسعار في كثير من الأحيان في اتجاه معاكس للعملة الأميركية. ومع ارتفاع الدولار بالتزامن مع توقعات الفائدة، يجد الذهب نفسه أمام ضغوط مزدوجة تحد من قدرة الطلب على الملاذات الآمنة على دفعه إلى الصعود.
وقال توني سيكامور، محلل الأسواق لدى «آي جي»، إن الذهب يتعرض لضغوط نتيجة اللهجة المتشددة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش خلال خطابه في ندوة «جاكسون هول»، بالتزامن مع تجدد التوترات في مضيق هرمز وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار النفط وعودة المخاوف التضخمية.
ويضع هذا المشهد الذهب في معادلة غير تقليدية؛ فالتوترات العسكرية تمثل في الظروف المعتادة عاملاً إيجابياً للأسعار، لكن إذا أدت تلك التوترات إلى ارتفاع حاد ومستمر في النفط، فقد تصبح النتيجة تضخماً أعلى وسياسة نقدية أكثر تشدداً، وهو ما يمكن أن يطغى مؤقتاً على الطلب التقليدي على الذهب كملاذ آمن.
رهانات الفائدة
وتظهر توقعات الأسواق حجم التحول في النظرة إلى السياسة النقدية الأميركية، إذ تشير بيانات أداة «سي إم إي فيد ووتش» إلى أن المتعاملين يسعرون احتمال رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر بنسبة 66 %، بينما ترتفع احتمالات الزيادة بحلول اجتماع ديسمبر إلى 89 %.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، لأن أسعار الفائدة المرتفعة تزيد العائد المتاح على السندات والأدوات المالية المقومة بالدولار، وترفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يقدم عائداً دورياً للمستثمرين.
كما أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التطورات في الشرق الأوسط يزيد حساسية الأسواق تجاه أي إشارات تضخمية جديدة. فإذا بقيت تكاليف الطاقة مرتفعة، فقد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام ضغوط للحفاظ على موقف متشدد، أو حتى المضي في رفع الفائدة، لمنع انتقال صدمة الطاقة إلى بقية مكونات الأسعار.
ولهذا أصبحت تطورات الشرق الأوسط عاملاً ذا تأثير مزدوج على المعدن الأصفر؛ فهي تعزز الحاجة إلى الملاذات الآمنة من جانب، لكنها في الوقت نفسه ترفع أسعار الطاقة وتغذي التضخم وتدعم توقعات الفائدة والدولار من جانب آخر، ما يفسر عدم استفادة الذهب بصورة واضحة من التوترات الحالية.
اختبار الوظائف
وتتحول الأنظار الآن إلى الولايات المتحدة، حيث تنتظر الأسواق مجموعة من البيانات المهمة خلال الأسبوع، تشمل أرقام فرص العمل المتاحة، وتقرير «إيه دي بي» للتوظيف في القطاع الخاص، وصولاً إلى بيانات الوظائف غير الزراعية التي تمثل المؤشر الأهم لقياس قوة سوق العمل الأميركية.
وستكون هذه الأرقام حاسمة بالنسبة إلى رهانات الفائدة؛ إذ إن استمرار قوة التوظيف ونمو الأجور قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لمواصلة التشديد النقدي، خصوصاً إذا ظلت الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة مرتفعة. وفي هذه الحالة قد يتلقى الدولار وعوائد السندات دعماً إضافياً، ما يزيد الضغوط على الذهب.
أما ظهور علامات واضحة على تباطؤ سوق العمل، فقد يدفع المستثمرين إلى تقليص رهانات رفع الفائدة ويحد من قوة الدولار، وهو ما يمكن أن يمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من خسائره. ولهذا تبدو تحركات المعدن خلال الأيام المقبلة شديدة الحساسية لأي مفاجآت في البيانات الاقتصادية الأميركية.
وتزداد أهمية تقرير الوظائف غير الزراعية تحديداً لأنه يأتي في وقت تحاول فيه الأسواق تحديد ما إذا كان التضخم الناتج عن ارتفاع الطاقة سيجبر الاحتياطي الفيدرالي على إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار، أم أن أي ضعف في سوق العمل قد يدفعه إلى اتباع نهج أكثر حذراً تجاه زيادة تكاليف الاقتراض.
الوظائف ترسم اتجاه الذهب
وتدخل أسعار الذهب مرحلة حاسمة تتداخل فيها ثلاثة عوامل رئيسية هي قوة الدولار، وتوقعات رفع الفائدة، والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وبينما كان تصاعد المخاطر العسكرية كفيلاً في فترات سابقة بدفع المعدن سريعاً إلى الارتفاع، فإن ارتفاع النفط المصاحب للأزمة جعل الصورة أكثر تعقيداً بسبب ما يحمله من مخاطر تضخمية قد تدفع السياسة النقدية الأميركية إلى مزيد من التشدد.
وستحدد بيانات سوق العمل الأميركية إلى حد كبير اتجاه الرهانات خلال المرحلة المقبلة؛ فإذا دعمت سيناريو رفع الفائدة في سبتمبر وديسمبر، قد يبقى الذهب تحت الضغط، بينما يمكن لأي ضعف مفاجئ في التوظيف أن يعيد ترتيب التوقعات ويمنح المعدن النفيس متنفساً. وحتى تتضح هذه البيانات، سيظل الذهب يتحرك بين طلب الملاذ الآمن من جهة، وقوة الدولار وارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالمعدن من جهة أخرى.