الدولار يضغط والذهب يتمسك بمكاسبه
شهدت أسواق الذهب العالمية بداية أسبوع اتسمت بالحذر، بعدما تراجعت الأسعار من أعلى مستوياتها في نحو أسبوعين تحت ضغط ارتفاع الدولار الأميركي بصورة طفيفة، في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة. ورغم هذا التراجع، فإن المعدن النفيس تمكن من الحفاظ على معظم المكاسب التي حققها الأسبوع الماضي، مدعوماً بتراجع توقعات رفع أسعار الفائدة الأميركية عقب صدور بيانات اقتصادية أظهرت تباطؤاً في سوق العمل، وهو ما عزز الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى نهج أقل تشدداً خلال الأشهر المقبلة.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.4 % ليصل إلى 4160.33 دولاراً للأوقية، بعدما سجل في وقت سابق من الجلسة أعلى مستوى له منذ 22 يونيو، بينما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطـس بنسبـة 1.1 % إلى 4172 دولاراً للأوقية، في إشارة إلى استمرار تفاؤل شريحة من المستثمرين بإمكانية استئناف المعدن الأصفر موجة الصعود إذا ما استمرت الضغوط على الاقتصاد الأميركي أو تراجعت وتيرة تشديد السياسة النقدية.
ضغط الدولار
وجاء التراجع الأخير بالتزامن مع ارتفاع مؤشر الدولار الأميركي بنحو 0.1 % بعد سلسلة من التراجعات التي سجلها خلال الأيام الماضية، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، الأمر الذي حد من الطلب على المعدن النفيس في الأسواق العالمية.
ويعد الدولار من أهم المحركات التقليدية لأسعار الذهب، إذ غالباً ما تتحرك العلاقة بينهما في اتجاه معاكس، فكلما ارتفعت قيمة العملة الأميركية تراجعت جاذبية الذهب، والعكس صحيح. كما أن ارتفاع الدولار يرفع من تكلفة الاحتفاظ بالذهب بالنسبة للمستثمرين الأجانب، ما يدفع بعضهم إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية مؤقتاً.
ويرى محللون أن التحسن المحدود في الدولار لا يزال غير كافٍ لتغيير الاتجاه العام للذهب، لكنه أسهم في عمليات تصحيح طبيعية بعد الارتفاعات التي سجلها المعدن خلال الأسبوع الماضي، والتي تجاوزت 2 % وأنهت سلسلة خسائر استمرت أربعة أسابيع متتالية.
ترقب الفيدرالي
وتتجه أنظار الأسواق هذا الأسبوع إلى محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الذي يعد من أبرز الأحداث المنتظرة في الأسواق المالية، نظراً لما قد يتضمنه من إشارات حول توجهات أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ويحاول المستثمرون من خلال المحضر استشراف مدى توافق أعضاء المجلس مع رؤية رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بشأن استمرار السياسة النقدية المتشددة، أو ما إذا كانت هناك توجهات متزايدة داخل المجلس تدعو إلى منح الاقتصاد مزيداً من الوقت لاستيعاب تأثيرات التشديد النقدي السابق قبل الإقدام على أي زيادات جديدة.
كما يترقب المستثمرون أي إشارات تتعلق بمستوى القلق داخل البنك المركزي حيال تباطؤ الاقتصاد أو استمرار التضخم، لأن تلك المؤشرات سيكون لها تأثير مباشر على تحركات الدولار وعوائد السندات الأميركية، وبالتالي على أسعار الذهب.
وجاء الدعم الرئيسي للذهب خلال الأيام الماضية من بيانات الوظائف الأميركية التي أظهرت تباطؤاً ملحوظاً في نمو الوظائف خلال يونيو، إلى جانب مراجعة بيانات الشهرين السابقين بالخفض، في مؤشر على أن سوق العمل بدأت تفقد جزءاً من قوتها بعد فترة طويلة من النمو المتسارع.
وأعادت هذه البيانات رسم توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأميركية، إذ عززت الاعتقاد بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يجد مبرراً للتريث قبل اتخاذ خطوات إضافية لرفع أسعار الفائدة إذا استمرت مؤشرات الاقتصاد في التباطؤ.
الطلب الاستثماري
ولا يزال الذهب يحتفظ بجاذبيته كأحد أهم أدوات التحوط ضد التقلبات الاقتصادية، إذ يواصل المستثمرون زيادة مراكزهم فيه كلما ارتفعت المخاطر المرتبطة بالنمو أو التضخم أو التوترات الجيوسياسية.
كما أن استمرار عدد من البنوك المركزية حول العالم في تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار يدعم الطلب على الذهب، وهو ما يوفر للأسعار قاعدة قوية تحد من تراجعها رغم التقلبات اليومية التي تشهدها الأسواق.
ويرى خبراء أن هذه العوامل قد تجعل أي انخفاضات في الأسعار مؤقتة، خاصة إذا استمرت البيانات الاقتصادية الأميركية في إظهار علامات تباطؤ خلال الأشهر المقبلة.
الفضة والمعادن
ولـم يقتصر التراجع على الذهب، إذ انخفـضت أسـعــار الفضـة في المعاملات الفوريــة بنسبة 1 % إلى 61.77 دولاراً للأوقية، بعدمـا سجلت فـي وقت سـابـق أعلى مستوياتها منذ أواخر يونيو، نتيجة عمليات جنــي أرباح بعــد المكاسب القوية التي حققتها خلال الأسبوع الماضي.
كما شهدت بقية المعادن النفيسة تحركات محدودة، وسط ترقب المستثمرين للبيانات الاقتصادية الأميركية المنتظرة هذا الأسبوع، والتي قد تحدد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
ويرى متعاملون أن أسواق المعادن النفيسة ستظل شديدة الحساسية لأي تصريحات تصدر عن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أو لأي بيانات تتعلق بالتضخم وسوق العمل، إلى جانب تحركات الدولار وعوائد السندات الأميركية، باعتبارها المحركات الرئيسية للأسعار.
اتجاهات المرحلة المقبلة
وبين قوة الدولار، وتراجع توقعات رفع أسعار الفائدة، وترقب المستثمرين لمحضر مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تدخل أسواق الذهب مرحلة جديدة من التوازن الدقيق بين عوامل داعمة وأخرى ضاغطة. فبينما يحد ارتفاع العملة الأميركية من قدرة المعدن الأصفر على مواصلة الصعود، فإن تباطؤ الاقتصاد الأميركي، وانخفاض رهانات التشديد النقدي، واستمرار الطلب على الملاذات الآمنة، جميعها عوامل توفر دعماً مهماً للأسعار.
ويرى محللون أن الذهب سيظل خلال النصف الثاني من عام 2026 يتحرك وفق معادلة تجمع بين بيانات الاقتصاد الأميركي، ومسار التضخم، وتوجهات السياسة النقدية، إلى جانب التطورات الجيوسياسية العالمية. وفي حال استمرت المؤشرات الاقتصادية في إظهار مزيد من الضعف، فقد يجد المعدن النفيس فرصة لاستئناف مكاسبه تدريجياً، أما إذا عاد الدولار إلى تسجيل ارتفاعات قوية مدعوماً ببيانات اقتصادية أفضل من المتوقع، فقد تبقى الأسعار تحت ضغوط مؤقتة قبل أن تستعيد توازنها من جديد.