تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدولار‭ ‬يفقد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬نفوذه‭ ‬الاحتياطي

الدولار‭ ‬يفقد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬نفوذه‭ ‬الاحتياطي

عاد‭ ‬الجدل‭ ‬مجدداً‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬ومكانته‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬مؤشرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬حصته‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الدولية،‭ ‬مقابل‭ ‬صعود‭ ‬الذهب‭ ‬وزيادة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تنويع‭ ‬الأصول‭ ‬الاحتياطية‭ ‬لدى‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬دفعت‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بداية‭ ‬أفول‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار،‭ ‬فإن‭ ‬البيانات‭ ‬الفعلية‭ ‬تكشف‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬إذ‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬العملة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭ ‬والتدفقات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الدولية‭ ‬بدرجة‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضها‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور‭.‬
ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتجه‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬احتياطياتها‭ ‬الرسمية،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والشركات‭ ‬والحكومات‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬باعتباره‭ ‬العملة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للتمويل‭ ‬والتجارة‭ ‬والاقتراض‭ ‬والتسعير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬وشيكة‭ ‬لهيمنته‭ ‬أمراً‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحالي‭.‬
صعود‭ ‬الذهب

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬الانتباه‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬حصة‭ ‬الذهب‭ ‬داخل‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬العالمية‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬حتى‭ ‬تجاوزت‭ ‬حصة‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬رغبة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬تنويع‭ ‬احتياطياتها‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬العالمية‭.‬
كما‭ ‬استفاد‭ ‬الذهب‭ ‬من‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السعرية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬وزنه‭ ‬النسبي‭ ‬داخل‭ ‬محافظ‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬العالمية‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬الذهب‭ ‬أصبح‭ ‬بديلاً‭ ‬فعلياً‭ ‬للدولار،‭ ‬بل‭ ‬تشير‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬الأصول‭ ‬الاحتياطية‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭.‬
تراجع‭ ‬نسبي

تشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حصة‭ ‬الدولار‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬العالمية‭ ‬شهدت‭ ‬تراجعاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬حيث‭ ‬انخفضت‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬قاربت‭ ‬64‭ % ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬57‭ %. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬تغيرات‭ ‬في‭ ‬استراتيجيات‭ ‬إدارة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬لدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬بعض‭ ‬العملات‭ ‬والأصول‭ ‬الأخرى‭.‬
لكن‭ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬الدولار‭ ‬يحتفظ‭ ‬بفارق‭ ‬واسع‭ ‬عن‭ ‬أقرب‭ ‬منافسيه،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬عملة‭ ‬أخرى‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬مستواه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الانتشار‭ ‬والسيولة‭ ‬والقبول‭ ‬الدولي‭. ‬ولذلك‭ ‬ينظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬باعتباره‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬محدودة‭ ‬للأوزان‭ ‬وليس‭ ‬تحولاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬ارتبط‭ ‬بعوامل‭ ‬استثنائية‭ ‬مثل‭ ‬العقوبات‭ ‬الدولية‭ ‬والتغيرات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬تركيبة‭ ‬احتياطياتها‭.‬

التجارة‭ ‬العالمية

يستمد‭ ‬الدولار‭ ‬جانباً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬دوره‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬فمعظم‭ ‬السلع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والمعادن،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تُسعر‭ ‬وتُتداول‭ ‬بالدولار،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يمنحه‭ ‬حضوراً‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬
وتظهر‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الصادرات‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُفوتر‭ ‬بالدولار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماده‭ ‬كوسيلة‭ ‬رئيسية‭ ‬للتبادل‭ ‬التجاري‭. ‬وحتى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬تجارتها‭ ‬مباشرة‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تفضل‭ ‬استخدام‭ ‬الدولار‭ ‬بسبب‭ ‬سهولة‭ ‬التسوية‭ ‬وتوافر‭ ‬السيولة‭ ‬والثقة‭ ‬العالمية‭ ‬به‭.‬
ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لإزاحة‭ ‬الدولار‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬الحالي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬مالية‭ ‬وتجارية‭ ‬متكاملة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬المزايا‭ ‬نفسها،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمعظم‭ ‬العملات‭ ‬المنافسة‭.‬

اليوان‭ ‬والمنافسة

يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬باعتبارها‭ ‬الدولة‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬بديل‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬للدولار‭ ‬بفضل‭ ‬حجم‭ ‬اقتصادها‭ ‬ومكانتها‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأرقام‭ ‬الحالية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اليوان‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬منافسة‭ ‬العملة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭.‬
ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬الصينية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والتسويات‭ ‬المالية،‭ ‬فإن‭ ‬حصته‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدولار‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬وغياب‭ ‬سوق‭ ‬مالية‭ ‬دولية‭ ‬بحجم‭ ‬وعمق‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬العالميين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يفضلون‭ ‬الأصول‭ ‬المقومة‭ ‬بالدولار‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬السيولة‭ ‬العالية‭ ‬والشفافية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬بسهولة‭.‬

شبكة‭ ‬الأمان

تلعب‭ ‬خطوط‭ ‬المقايضة‭ ‬التي‭ ‬يوفرها‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الأجنبية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭. ‬فخلال‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬اضطرابات‭ ‬الأسواق،‭ ‬تحتاج‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬سيولة‭ ‬دولارية‭ ‬كبيرة‭ ‬لتلبية‭ ‬التزاماتها‭.‬
ويتيح‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬لهذه‭ ‬البنوك‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬شبكة‭ ‬أمان‭ ‬عالمية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬أي‭ ‬عملة‭ ‬أخرى‭ ‬ما‭ ‬يماثلها‭ ‬حالياً‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬يظل‭ ‬الدولار‭ ‬محور‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬حصته‭ ‬داخل‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الرسمية‭.‬
كما‭ ‬أثبتت‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬فعاليتها‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬عندما‭ ‬تحولت‭ ‬السيولة‭ ‬الدولارية‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬لاستقرار‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

حدود‭ ‬التراجع

رغم‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬تراجعاً‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬نفوذ‭ ‬الدولار،‭ ‬فإن‭ ‬معظم‭ ‬الخبراء‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يشهد‭ ‬عملية‭ ‬استبدال‭ ‬للعملة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يشهد‭ ‬عملية‭ ‬تنويع‭ ‬تدريجية‭ ‬للأصول‭ ‬والاحتياطيات‭.‬
فالدول‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬وتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المرونة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬الدولار‭ ‬بصورة‭ ‬جماعية‭ ‬أو‭ ‬منظمة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬بديل‭ ‬عالمي‭ ‬متكامل‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تحول‭ ‬جذري‭ ‬أمراً‭ ‬شديد‭ ‬الصعوبة‭.‬
ولهذا‭ ‬تبدو‭ ‬التغيرات‭ ‬الحالية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تعديل‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‭ ‬وليس‭ ‬انقلاباً‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭.‬

مستقبل‭ ‬الهيمنة

تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدولار‭ ‬قد‭ ‬يواجه‭ ‬تراجعاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاحتياطيات‭ ‬الرسمية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يتمتع‭ ‬بعوامل‭ ‬قوة‭ ‬هيكلية‭ ‬يصعب‭ ‬منافستها‭. ‬فحجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬وعمق‭ ‬أسواقه‭ ‬المالية‭ ‬وانتشار‭ ‬مؤسساته‭ ‬المصرفية‭ ‬واستمرار‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والتمويل‭ ‬العالمي‭ ‬تمنحه‭ ‬مزايا‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬حالياً‭ ‬لأي‭ ‬عملة‭ ‬أخرى‭.‬
ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬نظاماً‭ ‬مالياً‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬وتعددية،‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬أدوار‭ ‬الذهب‭ ‬وبعض‭ ‬العملات‭ ‬الأخرى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭. ‬فالتاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬العملات‭ ‬المهيمنة‭ ‬لا‭ ‬تفقد‭ ‬مكانتها‭ ‬بسرعة،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬طويلة‭ ‬ومعقدة‭ ‬تتطلب‭ ‬ظهور‭ ‬بدائل‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرات‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬والسيولة‭ ‬والانتشار‭ ‬العالمي‭.‬

احتياطيات‭ ‬البنوك

تواصل‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬مكونات‭ ‬احتياطياتها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬المتسارعة‭. ‬ويعكس‭ ‬ارتفاع‭ ‬مشتريات‭ ‬الذهب‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬رغبة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمان‭ ‬المالي‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬واحد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬لم‭ ‬ينعكس‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تخارج‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬المقومة‭ ‬بالدولار،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬تنويع‭ ‬متوازنة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬إدارة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬وتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬المستقبلية‭.‬

الثقة‭ ‬والسيولة

تبقى‭ ‬الثقة‭ ‬الدولية‭ ‬وعمق‭ ‬السيولة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬استمرار‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬كبيرة‭ ‬وعميقة‭ ‬يمكن‭ ‬الدخول‭ ‬إليها‭ ‬والخروج‭ ‬منها‭ ‬بسهولة‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬وهي‭ ‬ميزة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متوافرة‭ ‬بصورة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬عملة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬الدولار‭ ‬مستقبلاً‭ ‬لن‭ ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬قوي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬مالية‭ ‬عالمية‭ ‬متكاملة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬مستويات‭ ‬مماثلة‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬والسيولة‭ ‬والاستقرار‭.‬

رجوع لأعلى