الدولار ينعش مكاسب الذهب
عاد الذهب إلى الارتفاع في تعاملات الخميس، متعافياً من أدنى مستوياته في أسبوع، بعدما تلقى دعماً من تراجع الدولار الأمريكي، في وقت واصلت فيه التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط فرض حالة من الحذر على الأسواق العالمية. وبينما عزز ضعف العملة الأمريكية جاذبية المعدن النفيس، فإن المخاوف من تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليه من ضغوط تضخمية، حدّت من موجة الصعود وأبقت المستثمرين في حالة ترقب.
ويعكس أداء الذهب خلال الأيام الأخيرة حالة التوازن الدقيقة التي تعيشها الأسواق، إذ يتأرجح المعدن النفيس بين عوامل داعمة، مثل انخفاض الدولار والطلب على الملاذات الآمنة، وعوامل ضاغطة تتمثل في توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة إذا استمرت الضغوط التضخمية.
تعافٍ ملحوظ
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% ليصل إلى 4107.69 دولار للأوقية، بعدما كان قد هبط في جلسة الأربعاء إلى أدنى مستوى له منذ الأول من يوليو.
كما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.9% لتبلغ 4117.30 دولار للأوقية، في إشارة إلى عودة المشترين إلى السوق بعد موجة البيع التي شهدها المعدن النفيس خلال الجلسة السابقة.
ويأتي هذا التعافي في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية الأمريكية وتداعيات التطورات الجيوسياسية.
دعم الدولار
كان العامل الأبرز وراء انتعاش الذهب هو تراجع الدولار الأمريكي بنحو 0.1% أمام سلة من العملات الرئيسية.
ويؤدي انخفاض الدولار عادة إلى زيادة جاذبية الذهب، لأنه يصبح أقل تكلفة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما يرفع الطلب على المعدن النفيس ويدعم أسعاره في الأسواق العالمية.
ورغم أن تراجع الدولار كان محدوداً، فإنه كان كافياً لمنح الذهب دفعة إيجابية بعد الضغوط الأخيرة.
توتر متجدد
في المقابل، بقيت الأوضاع في الشرق الأوسط حاضرة بقوة في قرارات المستثمرين.
فقد أعلن الجيش الأمريكي تنفيذ غارات جديدة على إيران بهدف ضمان استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز، في أعقاب الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية، بينما شهدت المنطقة تصعيداً إضافياً مع تعرض الكويت والبحرين لهجمات، ما زاد المخاوف من اتساع نطاق الأزمة.
وأدت هذه التطورات إلى تعزيز الطلب على الأصول الآمنة، وفي مقدمتها الذهب، باعتباره أحد أهم أدوات التحوط في أوقات الاضطرابات السياسية والعسكرية.
بارقة أمل
ورغم التصعيد، ظهرت مؤشرات قد تخفف من حدة التوتر.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مسؤولين إيرانيين تواصلوا مع واشنطن سعياً للتوصل إلى اتفاق، وهو ما أعاد بعض التفاؤل بإمكانية استئناف المسار الدبلوماسي.
وساهمت هذه التصريحات في تهدئة الضغوط على الدولار، كما عززت توقعات المستثمرين بأن الأزمة قد لا تتطور إلى مواجهة أوسع، وهو ما حد من المكاسب القوية التي كان يمكن أن يحققها الذهب.
معادلة الفائدة
ولا تزال توقعات السياسة النقدية الأمريكية تشكل عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الذهب.
فالتوترات الجيوسياسية رفعت أسعار النفط، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية، الأمر الذي يدعم احتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وعادة ما يؤثر ارتفاع الفائدة سلباً على الذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً، ما يجعل السندات والأدوات المالية ذات العائد أكثر جاذبية للمستثمرين.
ولهذا السبب، يجد الذهب نفسه بين قوتين متعاكستين؛ الطلب على الملاذات الآمنة من جهة، وضغوط الفائدة المرتفعة من جهة أخرى.
تقلبات مستمرة
ويرى محللون أن الأسواق ستظل شديدة الحساسية لأي تطورات جديدة في العلاقات الأمريكية الإيرانية.
وأوضح كلفن وانج، كبير محللي الأسواق في «أواندا»، أن تراجع الدولار جاء نتيجة تزايد احتمالات التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن وقف إطلاق النار المؤقت لا يزال هشاً، ما يعني أن التقلبات قد تعود سريعاً إذا تصاعدت الأحداث مجدداً.
ويؤكد ذلك أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر، مع استعدادهم لتعديل مراكزهم الاستثمارية فور ظهور أي مستجدات.
ملاذ تقليدي
ورغم التذبذب الأخير، يواصل الذهب الحفاظ على مكانته كأحد أهم الملاذات الآمنة في فترات عدم اليقين.
فعندما تتزايد المخاطر السياسية أو الاقتصادية، يتجه جزء كبير من المستثمرين إلى المعدن النفيس باعتباره وسيلة للحفاظ على القيمة والتحوط من تقلبات الأسواق والعملات.
وفي المقابل، فإن تحسن الأوضاع الجيوسياسية أو ارتفاع أسعار الفائدة قد يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من الذهب لصالح أصول أخرى تحقق عوائد أعلى.
ترقب الأسواق
تدخل أسعار الذهب مرحلة دقيقة تتداخل فيها عدة عوامل مؤثرة في وقت واحد، أبرزها تحركات الدولار، ومسار أسعار الفائدة الأمريكية، وتطورات الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما يوفر تراجع العملة الأمريكية دعماً للمعدن النفيس، فإن أي انفراجة سياسية قد تقلص الطلب على الملاذات الآمنة، في حين قد يؤدي استمرار التوترات وارتفاع أسعار الطاقة إلى تعزيز جاذبية الذهب مجدداً.
ولهذا، يرجح أن تبقى تحركات المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة رهينة بسرعة تطور الأحداث السياسية، إلى جانب الرسائل التي سيبعث بها الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل السياسة النقدية، وهي عوامل ستحدد ما إذا كان الذهب سيواصل تعافيه أم يعود لاختبار مستويات أدنى من جديد.