الذكاء الاصطناعي بين الهيمنة والرقابة.. هل يفلت وادي السيليكون من المحاسبة؟
في سباق عالمي متسارع نحو المستقبل، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة أو أداة لتحسين الإنتاجية، بل تحوّل إلى قوة اقتصادية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل موازين النفوذ في العالم. ومع التوسع الكبير لشركات التكنولوجيا العملاقة، تصاعدت المخاوف بشأن حجم السيطرة التي باتت تمتلكها هذه الشركات على البيانات والمعلومات وحتى على الرأي العام، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الحكومات والمجتمعات على تنظيم هذا القطاع ومنع تحوّله إلى قوة خارجة عن السيطرة.
وفي هذا السياق، يسلّط كتاب «ترويض وادي السيليكون» للباحث غاري ماركوس الضوء على ما يصفه بالمعركة الحقيقية بين الابتكار التقني من جهة، وضرورات الرقابة والمساءلة من جهة أخرى. ويرى المؤلف أن شركات مثل ميتا وغوغل وأوبن أيه آي لم تعد تكتفي بدور المطوّر للتكنولوجيا، بل أصبحت لاعباً مؤثراً في رسم السياسات العامة وتوجيه القرارات الاقتصادية والاجتماعية، مستفيدة من نفوذ مالي وتقني هائل.
اتخاذ القرار
ويعود الكتاب إلى الجذور الأولى لفكرة الذكاء الاصطناعي، بدءاً من مؤتمر دارتموث عام 1956، حين طُرحت فكرة تصميم آلات قادرة على التفكير واتخاذ القرار. وفي ذلك الوقت، كانت التطبيقات تقتصر على مهام محدودة مثل ألعاب الشطرنج أو العمليات الحسابية المعقدة، إلا أن التطور المتسارع خلال العقود الأخيرة نقل هذه التكنولوجيا إلى مرحلة جديدة تماماً، مع ظهور النماذج اللغوية الضخمة القادرة على إنتاج النصوص والصور وتحليل البيانات وصناعة المحتوى والتأثير في تفضيلات الأفراد وقراراتهم.
ويؤكد ماركوس أن هذا التحول جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً رئيسياً من الحياة اليومية والاقتصاد العالمي، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام مخاطر معقدة. ومن أبرز هذه المخاطر انتشار المعلومات المضللة والمحتوى المزيف، سواء عبر الحسابات الوهمية أو من خلال أخطاء الأنظمة الذكية نفسها. كما يحذر من إمكانية استخدام هذه التقنيات للتلاعب بالأسواق المالية أو التأثير في الانتخابات وصناعة الرأي العام، إلى جانب تعميق التحيزات الاجتماعية والتمييز ضد بعض الفئات، وهو ما ظهرت أمثلة عليه في أنظمة الرعاية الاجتماعية بعدد من الدول الأوروبية وأستراليا.
سوق العمل
ولا تتوقف التحديات عند الجوانب السياسية والإعلامية، بل تمتد أيضاً إلى الاقتصاد وسوق العمل، حيث يلفت الكتاب إلى أن قطاعات واسعة من الوظائف التقليدية أصبحت مهددة بفعل الأتمتة المتزايدة، خصوصاً الوظائف ذات المهارات المحدودة. ويرى المؤلف أن ذلك قد يخلق ضغوطاً اجتماعية ونفسية واسعة النطاق إذا لم تتم إدارة التحول بشكل متوازن يراعي إعادة تأهيل القوى العاملة وخلق فرص جديدة تتماشى مع الاقتصاد الرقمي. كما يثير الذكاء الاصطناعي إشكاليات قانونية متزايدة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، في ظل قدرة الأنظمة الحديثة على إنتاج محتوى مشتق من أعمال بشرية دون موافقات واضحة أو أطر تنظيمية حاسمة.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة للحديث عن النفوذ المتنامي لشركات التكنولوجيا الكبرى، موضحاً أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في قوة هذه الشركات، بل في اعتماد الحكومات نفسها عليها. فمع استثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الشركات شريكاً أساسياً في الاقتصاد الحديث، ما يجعل فرض قيود صارمة عليها أمراً بالغ التعقيد. ويرى ماركوس أن هذه العلاقة خلقت نوعاً من التوازن المختل، حيث باتت الحكومات في حاجة إلى التكنولوجيا التي توفرها تلك الشركات، بينما تسعى الشركات في المقابل إلى توسيع نفوذها وتقليل القيود التنظيمية المفروضة عليها.
الانحدار الأخلاقي
ويتحدث المؤلف كذلك عن ما يسميه «الانحدار الأخلاقي» داخل قطاع التكنولوجيا، مشيراً إلى أن كثيراً من الشركات التي رفعت في بداياتها شعارات خدمة الإنسان وتعزيز المعرفة، تحوّلت تدريجياً إلى التركيز على الأرباح والنمو السريع حتى لو جاء ذلك على حساب المستخدمين أو المجتمعات. كما يوضح أن جماعات الضغط أصبحت تلعب دوراً محورياً في التأثير على التشريعات وصنّاع القرار، من خلال الضغط السياسي وتوظيف مسؤولين سابقين في مواقع تنظيمية، فيما يُعرف بظاهرة «الباب الدوار» بين القطاعين العام والخاص.
وفي مواجهة هذه التحديات، يطرح الكتاب مجموعة من المقترحات لإعادة ضبط العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع. ومن أبرز هذه المقترحات تعزيز حقوق المستخدمين في بياناتهم الشخصية، وفرض مستويات أعلى من الشفافية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تحميل الشركات مسؤولية قانونية عن الأضرار التي قد تنتج عن استخدام تقنياتها. كما يدعو إلى إنشاء هيئات رقابية مستقلة متعددة المستويات لمراقبة أداء الشركات والتأكد من التزامها بالمعايير الأخلاقية والقانونية، مع التشديد على أهمية التعاون الدولي لوضع قواعد مشتركة تنظم هذه التكنولوجيا العابرة للحدود.