الذكاء الاصطناعي.. ورقة النفوذ الأميركية
لم تعد موازين القوة العالمية تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانات النووية أو النفوذ الاقتصادي، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالقدرة على امتلاك أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي تقدماً والتحكم في الوصول إليها. ومع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي، باتت النماذج الذكية المتطورة تمثل أداة نفوذ استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة أو أشباه الموصلات أو الأسلحة المتقدمة.
قوة جديدة
ورغم أن بعض التطورات السياسية الأخيرة، ومنها الاتفاق الأميركي مع إيران، دفعت البعض إلى الحديث عن تراجع النفوذ الأميركي، فإن ما يجري في قطاع الذكاء الاصطناعي يعكس اتجاهاً مختلفاً تماماً. فالولايات المتحدة لا تزال تتصدر تطوير النماذج الأكثر تقدماً، كما تمتلك سلطة تنظيمية وسياسية تتيح لها التأثير في من يمكنه الوصول إلى هذه التقنيات الحساسة.
قرار سياسي
وتجسد ذلك في يونيو الماضي عندما أصدرت إدارة الرئيس دونالد ترامب أمراً لشركة «أنثروبيك» يقضي بمنع المستخدمين الأجانب من الوصول إلى أحدث نماذجها، بعد تقارير تحدثت عن نجاح بعض المستخدمين في تجاوز ضوابط الحماية واستغلال النموذج في تطبيقات قد تشمل الهجمات الإلكترونية أو المساعدة في تطوير أسلحة بيولوجية. ورغم أن الشركة علقت الخدمة لاحقاً لجميع المستخدمين وأكدت أن المخاطر أُثيرت بصورة مبالغ فيها، فإن الرسالة كانت واضحة؛ إذ أصبح الوصول إلى أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي مرتبطاً، في نهاية المطاف، بقرار سياسي.
سوابق أميركية
ولم يكن ذلك التدخل سابقة منفردة، فقد أظهرت واشنطن خلال الأشهر الماضية استعداداً متزايداً للتدخل المباشر في قطاع الذكاء الاصطناعي، سواء عبر تصنيف بعض الشركات باعتبارها تمثل مخاطر على سلاسل الإمداد أو عبر فرض قيود على الرقائق الإلكترونية وتقنيات الحوسبة المتقدمة. ويأتي ذلك امتداداً لسياسات أميركية قديمة شملت تقييد التعاون النووي بعد الحرب العالمية الثانية، وفرض قيود على تقنيات التشفير، والاحتفاظ بأحدث المنظومات العسكرية داخل الولايات المتحدة مع تصدير نسخ أقل تطوراً للحلفاء.
مخاطر أمنية
لكن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تلك التقنيات، إذ يمكن تحديثه ونشره بوتيرة أسرع بكثير. فإذا أثبتت النماذج المتقدمة قدرتها على تنفيذ هجمات إلكترونية معقدة أو المساهمة في تطوير مسببات الأمراض، فقد تُعامل مستقبلاً بالطريقة نفسها التي تُعامل بها التقنيات النووية، باعتبارها تقنيات شديدة الحساسية لا ينبغي أن تكون متاحة للجميع.
وفي المقابل، يصعب ضمان احتكار هذه القدرات على المدى الطويل، إذ تتطور النماذج مفتوحة المصدر بسرعة، كما تتزايد الاستثمارات العالمية في هذا القطاع، وهو ما قد يقلص تدريجياً قدرة أي دولة على الاحتفاظ بالتفوق المطلق.
معضلة اقتصادية
وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن معضلة اقتصادية معقدة. فهي لا تسعى فقط إلى حماية تفوقها التقني، بل تعتمد أيضاً على تصدير خدمات الذكاء الاصطناعي وتحقيق عوائد ضخمة منها. وتشير بيانات إلى أن غالبية مستخدمي شركة «أنثروبيك» يقيمون خارج الولايات المتحدة، كما أن نسبة كبيرة من الباحثين العاملين فيها يحملون جنسيات غير أميركية، ما يجعل القيود الواسعة سلاحاً ذا حدين قد يحد من الابتكار ويؤثر في الإيرادات.
ورقة الصين
كما لا ترغب الولايات المتحدة في دفع شركائها نحو الاعتماد على البدائل الصينية، في وقت تواصل فيه بكين استثماراتها الضخمة لتطوير نماذج منافسة. لذلك، قد تتجه واشنطن إلى توزيع مستويات مختلفة من الوصول إلى التكنولوجيا، بحيث تحتفظ بأحدث النماذج لنفسها، وتمنح الحلفاء نسخاً أقل تقدماً، بينما تتيح لبقية الأسواق نماذج أكثر تقييداً مع ضوابط أمان إضافية.
اعتماد أوروبي
ويضع هذا السيناريو أوروبا أمام تحديات متزايدة، إذ لا تمتلك حتى الآن شركات تضاهي عمالقة الذكاء الاصطناعي الأميركيين، كما أن اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية ازداد بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، سواء في البرمجيات أو الخدمات السحابية أو الملكية الفكرية، وهو ما قد يجعلها أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة إذا أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي البنية الأساسية للاقتصاد والأمن والدفاع.
سباق الحوسبة
ورغم أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مصانع أشباه الموصلات في آسيا وإلى معدات تصنيع الرقائق الأوروبية، فإن امتلاك النماذج وحده لا يكفي، إذ يتطلب تشغيلها مراكز بيانات عملاقة وقدرات حوسبة هائلة وكميات ضخمة من الكهرباء. وتشير التقديرات إلى أن القدرة الحاسوبية الأميركية تفوق نظيرتها الأوروبية بنحو 15 مرة، مع استمرار الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية.
بناء القدرات
ويرى خبراء أن أفضل استجابة للدول الأخرى لا تتمثل في فرض قيود مضادة، بل في بناء منظوماتها التقنية الخاصة عبر الاستثمار في مراكز البيانات، وتوسيع إنتاج الطاقة، وتطوير صناعة الرقائق، ودعم الشركات المحلية، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز القدرة التنافسية في هذا القطاع الحيوي.
مستقبل النفوذ
وفي النهاية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع اقتصادي واعد، بل تحول إلى أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. ومن يمتلك النماذج الأكثر تقدماً، والقدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيلها، سيحظى بنفوذ يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى الأمن والدفاع والسياسة الخارجية. وبينما تتمتع الولايات المتحدة اليوم بأفضلية واضحة، فإن بقية العالم لا تزال تملك فرصة لتقليص فجوة الاعتماد إذا سارعت إلى بناء منظومات تقنية مستقلة قادرة على المنافسة في سباق باتت نتائجه تُحسم داخل مراكز البيانات بقدر ما تُحسم في ميادين السياسة.