الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل الوظائف أمام أجيال الخريجين
تستعد الاقتصادات النامية لاستقبال أعداد غير مسبوقة من الشباب في أسواق العمل، في مرحلة تتزامن مع تباطؤ اقتصادي وتحولات تكنولوجية متسارعة يقودها الذكاء الاصطناعي. ويضع هذا التداخل الخريجين الجدد أمام تحديات متزايدة للحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، فيما تواجه المؤسسات التعليمية ضغوطاً متنامية لمواكبة احتياجات الشركات المتغيرة.
وتعكس تجربة ساهارات تشوايكاو، طالب الهندسة البالغ من العمر 21 عامًا في جامعة الملك مونغكوت للتكنولوجيا في ثونبوري بتايلند، جانباً من هذه التحولات. فإلى جانب دراسته الجامعية، يتدرب في أحد مصانع مشروبات الطاقة، ويشارك في أعمال تطوعية بمجال تكنولوجيا المعلومات لمدة 15 ساعة أسبوعيًا، في محاولة لاكتساب خبرات عملية تعزز فرصه المهنية.
لكن المسار التقليدي الذي كان يتيح للخريجين الجدد بدء حياتهم المهنية تحت إشراف مهندسين أكثر خبرة، ثم التدرج في اكتساب المهارات، لم يعد مضمونًا بالقدر نفسه. فالتطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي أتاح تنفيذ كثير من المهام التقنية المعقدة بتكلفة منخفضة، ما قد يقلص حاجة الشركات إلى بعض الوظائف المخصصة للمبتدئين.
وتبرز هذه التحولات في وقت يتوقع فيه البنك الدولي انضمام نحو 1.2 مليار شخص إلى القوى العاملة في الاقتصادات النامية خلال العقد المقبل، في واحدة من أكبر موجات دخول الشباب إلى سوق العمل عبر التاريخ، ويضع هذا الحجم من الباحثين عن الوظائف الحكومات والشركات ومؤسسات التعليم أمام تحديات كبيرة تتعلق بقدرة الاقتصادات على توفير فرص عمل كافية ومستدامة.
وتختلف الظروف الاقتصادية الراهنة عن تلك التي واجهتها أجيال سابقة في مطلع القرن الحالي، إذ تباطأ النمو العالمي، وتراجعت هوامش التحرك أمام السياسات الاقتصادية في ظل بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
كما أسهمت الصدمات العالمية المتعاقبة، من موجات التضخم خلال جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية والتقلبات في أسواق الطاقة، في زيادة تكاليف المعيشة والضغط على الإنفاق، الأمر الذي انعكس على النشاط الاقتصادي وفرص التوظيف.
وتواجه الاقتصادات الآسيوية ضغوطاً إضافية نتيجة اعتماد عدد منها على واردات الطاقة التي تمر عبر مضيق هرمز. ففي تايلند، يأتي نحو 60 % من واردات النفط عبر الخليج العربي، ما يجعل التطورات الجيوسياسية وتقلبات الإمدادات عاملًا مؤثرًا في التكاليف الاقتصادية.
وقد انعكست هذه الظروف على الأوضاع الاجتماعية في عدد من البلدان الآسيوية، من خلال قيود على استهلاك الطاقة والعمل في سري لانكا، واحتجاجات طلابية في إندونيسيا على ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب تصاعد الانتقادات بشأن بطالة الخريجين في الهند.
وتكشف هذه التطورات أن صعوبة دخول سوق العمل لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل تتداخل معها عوامل اقتصادية واجتماعية تحد من قدرة الشباب على الانتقال من التعليم إلى الاستقلال المالي والمهني.
بطالة الخريجين تكشف
فجوة المهارات
تتجاوز أزمة التوظيف في الاقتصادات النامية مسألة نقص الوظائف المتاحة، لتشمل أيضًا عدم التوافق بين المؤهلات التي يحصل عليها الخريجون والمهارات التي تحتاج إليها الشركات. فارتفاع مستويات التعليم لا يضمن بالضرورة الحصول على وظيفة مناسبة، خصوصًا عندما تتغير متطلبات الأعمال بوتيرة أسرع من تطور المناهج الدراسية.
وتشير بحوث صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع بطالة الشباب في أجزاء واسعة من آسيا، مع تسجيل معدلات أعلى في كثير من الحالات بين الحاصلين على مؤهلات تعليمية متقدمة. وتبرز هذه المفارقة بصورة واضحة في تايلند، حيث بلغت بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً نحو 3.9 % خلال العام الماضي، مقابل 13.2% بين الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي ضمن الفئة العمرية نفسها.
ويمتد هذا النمط إلى معظم اقتصادات جنوب شرق آسيا، بينما تبدو التحديات أشد في بعض بلدان جنوب آسيا. فقد تراوحت معدلات البطالة بين الشباب الأعلى تعليماً بين نحو 36 % في بنغلاديش و43 % في سري لانكا، وفق البيانات الواردة في المقال.
وتعكس هذه الأرقام اختلالًا في العلاقة بين التعليم والتوظيف؛ إذ قد تتزايد أعداد الحاصلين على الشهادات الجامعية دون أن يقابلها توسع مماثل في الوظائف التي تتناسب مع تخصصاتهم. وفي المقابل، قد تعاني قطاعات اقتصادية أخرى نقصًا في العمالة المؤهلة التي تمتلك المهارات المطلوبة لشغل الوظائف المتاحة.
ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعداً جديداً إلى هذه الفجوة، إذ يمكنه دعم النمو ورفع الإنتاجية، لكنه قد يزيد الضغوط على الشباب إذا تسارع اعتماده قبل تطوير مهارات العاملين والباحثين عن الوظائف.
ويصبح تحديث منظومة التعليم والتدريب ضرورة اقتصادية، من خلال جعل البرامج الجامعية والفنية أكثر ارتباطًا باحتياجات أصحاب العمل، وتوسيع فرص التدريب العملي وإعادة التأهيل المهني، بما يساعد الخريجين على اكتساب المهارات التي تحتاج إليها المؤسسات فعلًا.
وظائف المبتدئين أمام
اختبار الأتمتة
يمثل تقلص بعض الوظائف المخصصة للمبتدئين أحد أبرز المخاوف المرتبطة بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي. فهذه الوظائف كانت تشكل في السابق نقطة الانطلاق الأساسية لاكتساب الخبرة العملية، حيث يتولى الموظفون الجدد مهام محددة قبل الانتقال تدريجيًا إلى مسؤوليات أكثر تعقيدًا.
أما مع قدرة الأدوات الذكية على تنفيذ جانب من هذه المهام، فقد تتغير طريقة بناء الخبرة المهنية، وتصبح المنافسة على الوظائف الأولى أكثر صعوبة، خصوصًا في المجالات التقنية والإبداعية التي تعتمد على معالجة البيانات والبرمجة وإنتاج المحتوى.
ولا تقتصر المخاوف على طلاب الهندسة وتقنية المعلومات، بل تمتد إلى تخصصات مثل الرسوم المتحركة والصناعات الإبداعية، حيث يتزايد استخدام الأدوات الذكية في تنفيذ أعمال كانت تتطلب في السابق وقتًا وجهدًا بشريين أكبر.
ويثير ذلك تساؤلات حول مستقبل الخريجين الذين قد يجدون أنفسهم مطالبين بإثبات قدراتهم منذ بداية مسيرتهم المهنية، في وقت تتقلص فيه بعض الفرص التقليدية التي كانت تتيح لهم التعلم بالممارسة.
وتزداد أهمية المهارات الشخصية، مثل التواصل والتفكير النقدي والعمل الجماعي والقدرة على حل المشكلات، إلى جانب إتقان الأدوات التقنية واللغات الأجنبية. فهذه القدرات يمكن أن تعزز قدرة الشباب على التعامل مع المهام التي تتطلب فهماً للسياق وتعاوناً بشرياً وحكماً مهنياً لا يقتصر على تنفيذ التعليمات.
وفي مواجهة هذه المخاوف، بدأت بعض الجامعات توسيع برامج التدريب على الذكاء الاصطناعي، وقد وفرت جامعة الملك مونغكوت للتكنولوجيا تراخيص لنحو ألف طالب للتدرب على استخدام هذه الأدوات، بهدف تعزيز جاهزيتهم المهنية ومساعدتهم على الاستفادة من التكنولوجيا بدل الاكتفاء بمواجهة آثارها.
وتعكس هذه الخطوات تحولاً في دور المؤسسات التعليمية، من التركيز على تقديم المعرفة الأكاديمية إلى إعداد الطلاب للتعامل مع بيئات عمل تتغير باستمرار، وتحتاج إلى التعلم المتواصل والقدرة على التكيف.
توسع رقمي يقابله نقص في الكفاءات
على الرغم من المخاوف المتعلقة بتراجع بعض الوظائف، فإن التحول التكنولوجي يفتح أيضًا مجالات جديدة للنمو والتوظيف، خصوصًا في قطاعات مراكز البيانات والخدمات السحابية والبنية التحتية الرقمية.
وتجسد تايلند هذا التناقض؛ فبينما يواجه الخريجون صعوبات في العثور على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، تتوسع الاستثمارات الرقمية في البلاد، في إطار مساعيها لترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا.
وخلال الربع الأول من العام الجاري، تلقى مجلس الاستثمار التايلندي طلبات استثمار بقيمة 873.741 مليار بات، تعادل نحو 27.3 مليار دولار، موزعة على 48 مشروعاً رقمياً، تركز معظمها على مراكز البيانات والخدمات السحابية في بانكوك والمناطق المحيطة بها.
ويشير هذا التوسع إلى وجود فرص اقتصادية جديدة يمكن أن تدعم الطلب على الكفاءات المتخصصة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن تحدٍ يتعلق بقدرة سوق العمل على توفير المهارات المطلوبة بالسرعة اللازمة.
فالمشكلة لا تتمثل بالضرورة في غياب الوظائف المستقبلية، بل قد تكمن في نقص الكفاءات القادرة على تشغيل البنية التحتية الرقمية وتطويرها وإدارتها. ويعني ذلك أن الاستثمارات الكبيرة لا تتحول تلقائيًا إلى فرص عمل متاحة لجميع الخريجين، ما لم تتوافر برامج تعليم وتدريب تتناسب مع طبيعة الوظائف الجديدة.
وتتطلب الاستفادة من هذه الفرص تعزيز التعاون بين الجامعات والشركات، وتطوير برامج تدريب مرتبطة بالمشروعات الفعلية، وتحديث التخصصات بما يواكب الطلب على المهارات الرقمية والهندسية والتقنية.
كما تبرز أهمية توجيه الشباب نحو المجالات التي تشهد نمواً في الطلب على العمالة، مع تجنب حصر التعليم في تخصصات ضيقة قد تتغير احتياجاتها بسرعة نتيجة التطور التكنولوجي.
الإنتاجية بين فقدان الوظائف وخلق فرص جديدة
لا تقود التكنولوجيا بالضرورة إلى انخفاض إجمالي الوظائف، إذ تتباين آثارها بحسب طبيعة القطاعات وسرعة التكيف الاقتصادي. فالأتمتة قد تقلل الحاجة إلى العمالة في بعض المهام، لكنها يمكن أن ترفع الإنتاجية وتخفض التكاليف، بما يدعم توسع الشركات والاستثمار ويتيح ظهور أنشطة ومهن جديدة.
وتشير دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية في يوليو إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤثر على عمل ما يقرب من 80 مليون شخص في جنوب شرق آسيا. ومع ذلك، لا تزال الأدلة على وقوع خسائر واسعة النطاق في الوظائف محدودة، ما يعكس صعوبة تحديد الحصيلة النهائية لهذه التحولات في ظل استمرار تطور التكنولوجيا وطرق استخدامها.
وتعتمد النتائج على قدرة الاقتصادات على تحويل مكاسب الإنتاجية إلى توسع في الأنشطة الاقتصادية، وعلى مدى استعداد الشركات للاستثمار في العمالة وتطوير مهاراتها بالتوازي مع اعتماد الأدوات الذكية.
فإذا اقتصـر استخــدام الذكـاء الاصطناعي على خفض التكاليف والاستغناء عن بعض المهام، فقد تزداد الضغوط على الفئات التي تدخل سوق العمل للمرة الأولى. أما إذا اقترن بتوسيع الأعمال وابتكار منتجات وخدمات جديدة، فقد يسهم في خلق وظائف تتطلب مهارات مختلفة.
ويجعل ذلك سياسات التعليم والتدريب والتوظيف عنصراً أساسياً في تحديد كيفية توزيع مكاسب التحول التكنولوجي، ومدى قدرة الشباب على الاستفادة منها.
المرونة المهنية ضرورة للجيل الجديد
لم تعد المسارات المهنية التقليدية، التي يبدأ فيها الخريج العمل في تخصصه ثم يتدرج ضمن مسار واضح، الخيار الوحيد المتاح أمام الشباب. فقد تتطلب التحولات الجارية الانتقال بين قطاعات مختلفة، أو اكتساب مهارات جديدة خلال الحياة المهنية، أو الجمع بين أكثر من مجال لتحقيق الاستقرار الوظيفي.
وتبرز هذه المرونة في تجربة الطلاب الذين يجمعون بين الدراسة الجامعية والتدريب الصناعي والعمل التقني، في محاولة لتوسيع خبراتهم وتعزيز قدرتهم على المنافسة. كما تتطلب من الشباب الاستعداد لتغير طبيعة الوظائف، وعدم الاعتماد على الشهادة الجامعية وحدها بوصفها ضماناً للحصول على فرصة عمل.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية التكيف مع التحولات المتسارعة؛ إذ تقع على الحكومات والمؤسسات التعليمية والشركات مسؤولية توفير بيئة تتيح التدريب المستمر، وتسهّل الانتقال بين التخصصات، وتدعم اكتساب المهارات المطلوبة في القطاعات الجديدة.
وتحتاج الاقتصادات النامية، التي تستعد لاستقبال مئات الملايين من الشباب خلال السنوات المقبلة، إلى سياسات متكاملة تربط التعليم باحتياجات الإنتاج، وتشجع الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق وظائف، وتدعم المشروعات الجديدة، وتوسع فرص التدريب المهني والتقني.
كما تبرز أهمية بناء أنظمة تعليم أكثر مرونة، تجمع بين المعرفة الأساسية والمهارات التطبيقية والقدرة على استخدام التكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بمناهج قد تصبح بعض مكوناتها أقل ارتباطًا بمتطلبات العمل.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع الذكاء الاصطناعي من التقدم، بل في ضمان أن تسهم مكاسبه في توسيع الفرص الاقتصادية، لا في زيادة الفجوة بين من يمتلكون المهارات المطلوبة ومن يجدون أنفسهم خارج سوق العمل.
ومع اقتراب موجة تاريخية من الشباب من أبواب التوظيف، ستتحدد قدرة الاقتصادات النامية على الاستفادة من طاقاتهم بمدى نجاحها في مواءمة التعليم والتدريب والاستثمار مع عالم تتغير فيه الوظائف بوتيرة متسارعة. فالاستعداد للمستقبل لم يعد خياراً إضافياً، بل أصبح شرطاً أساسياً لتحويل التحول التكنولوجي إلى فرصة للنمو والاستقرار المهني والاجتماعي.