الذكاء الاصطناعي ينتقل لمرحلة الكفاءة الاقتصادية
بعد عام من المكاسب القياسية التي حققتها أسهم شركات الرقائق الإلكترونية، عاد الجدل إلى أسواق التكنولوجيا بشأن مستقبل الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تعرض أسهم القطاع لموجة من التقلبات دفعت بعض المستثمرين إلى التساؤل عما إذا كان الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأ يفقد زخمه.
ورغم هذه المخاوف، يؤكد كبار التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا أن السوق لا يشهد تراجعاً في الطلب، وإنما تحولاً طبيعياً نحو مرحلة أكثر نضجاً، تركز فيها الشركات على تحقيق أعلى عائد اقتصادي من استثماراتها، بدلاً من التوسع في الإنفاق دون حسابات دقيقة.
ويشير خبراء إلى أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لا تزال في بداية دورة نمو طويلة، مع استمرار الحاجة إلى مراكز البيانات، ووحدات معالجة الرسومات، وشبكات الاتصال عالية السرعة، لتلبية الطلب المتزايد على التطبيقات الذكية.
تقلبات السوق
جاءت الضغوط الأخيرة على أسهم شركات الرقائق بعد إعلان شركة «ميتا» اعتزامها تأجير جزء من فائض قدراتها الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي، وهي خطوة فسرتها الأسواق على أنها قد تعكس وجود فائض في البنية التحتية.
كما أقدمت شركة «إكس إيه آي»، التابعة لإيلون ماسك، على تأجير جزء من قدراتها الحاسوبية خلال العام الجاري، وهو ما عزز موجة البيع في أسهم شركات مراكز البيانات وأشباه الموصلات.
وفي الوقت نفسه، تعرض سهم «سامسونغ» لضغوط رغم توقعات الشركة بتحقيق قفزة قوية في الأرباح، بعدما ارتفع بأكثر من 360 % خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مستويات الأسعار المرتفعة.
ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس عمليات إعادة تسعير طبيعية بعد موجة صعود قوية، أكثر من كونها مؤشراً على تراجع الطلب الأساسي.
طلب يتجاوز الإمكانات
ويؤكد بات غيلسنغر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إنتل» والشريك العام في «بلايغراوند غلوبال»، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي «يكاد يكون غير محدود»، مشيراً إلى أن العقبة الرئيسية أمام استمرار النمو تتمثل في توافر الطاقة الكهربائية، وليس في ضعف الإقبال على التقنيات.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة هائلة على خلق قيمة اقتصادية في مختلف القطاعات، وهو ما يجعل الطلب على البنية التحتية للحوسبة مرشحاً للاستمرار لسنوات طويلة.
كما أكد مارك بوروديتسكي، رئيس الإيرادات في شركة «نيبيوس»، أن الشركة تواجه طلباً يفوق قدرتها الحالية على التلبية، موضحاً أن هذا الوضع مستمر منذ فترة مع استمرار التوسع في إنشاء مراكز البيانات المعتمدة على معالجات «إنفيديا».
اختناقات مستمرة
ويرى أندرو فيلدمان، الرئيس التنفيذي لشركة «سيريبراس سيستمز»، أن حالات تأجير فائض القدرات الحاسوبية لدى بعض الشركات لا تعكس واقع السوق بأكمله، مؤكداً أن الطلب على الحوسبة المتقدمة لا يزال أعلى بكثير من الطاقة المتاحة.
وأشار إلى أن القطاع يواجه نقصاً في مراكز البيانات، إلى جانب محدودية بعض المكونات الأساسية اللازمة لتوسيع البنية التحتية، وهو ما يحد من سرعة الاستجابة للطلب المتزايد.
كما أكدت شركة «ريبيليونز» الكورية الجنوبية، المدعومة من «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس»، استمرار الطلب القوي على حلولها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، معتبرة أن الزخم الاستثماري في القطاع ما زال كبيراً.
وفي السياق ذاته، أعلنت شركة «لومينتوم»، المتخصصة في حلول الاتصالات البصرية لمراكز البيانات، أن كامل طاقتها الإنتاجية محجوزة خلال السنوات الخمس المقبلة، مع استمرار العمل على توسيع الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد.
إنفاق أكثر كفاءة
وفي المقابل، يشهد القطاع تحولاً في فلسفة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، بعدما انتقلت المؤسسات من مرحلة التوسع السريع في الاستخدام إلى التركيز على تحقيق عائد اقتصادي واضح من هذه الاستثمارات.
وخلال الفترة الماضية، انتشرت ظاهرة عُرفت باسم «تعظيم استخدام الرموز البرمجية»، حيث شجعت بعض الشركات موظفيها على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بأوسع نطاق ممكن، دون التركيز على جدواها الاقتصادية.
أما اليوم، فأصبحت الشركات أكثر حرصاً على اختيار التطبيقات التي تحقق قيمة فعلية، خاصة مع استمرار ارتفاع تكلفة النماذج المتقدمة مقارنة بالنماذج مفتوحة المصدر التي تطورها شركات مثل «ديب سيك» و«علي بابا».
ويرى مسؤولون في القطاع أن التركيز على الكفاءة الاقتصادية سيجعل استثمارات الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة، بدلاً من أن يؤدي إلى إبطاء الطلب.
نماذج متخصصة
ويتوقع خبراء أن يتجه استخدام الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة نحو توزيع المهام بين نماذج مختلفة، بحيث تُستخدم النماذج الأكثر تطوراً في التطبيقات المعقدة، بينما تتولى النماذج الأقل تكلفة تنفيذ المهام الروتينية.
ويرى أندرو فيلدمان أن استخدام النماذج العملاقة في جميع التطبيقات يشبه استخدام «حافلة كبيرة للذهاب إلى متجر صغير»، في إشارة إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بالعائد.
ويؤكد أن الشركات ستصبح أكثر قدرة على اختيار النموذج الأنسب لكل استخدام، بما يسهم في خفض التكاليف ورفع كفاءة التشغيل دون التأثير في جودة الأداء.