الذكاء الاصطناعي يهدد أرباح شركات الاستشارات العالمية
تواجه صناعة الاستشارات الإدارية العالمية تحولاً جذرياً في نموذج أعمالها، مع التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل الشركات والمؤسسات، بعدما أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تقديم تحليلات وتوصيات وحلول مخصصة لمشكلات الأعمال، كانت تتطلب سابقاً الاستعانة بفرق استشارية متخصصة مقابل أتعاب مرتفعة.
ويفرض هذا التحول ضغوطاً متزايدة على شركات الاستشارات الكبرى التي بنت مكانتها لعقود على قدرتها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للإدارات التنفيذية، في وقت باتت فيه الأدوات الذكية توفر جانباً كبيراً من هذه الخدمات بسرعة أكبر وتكلفة أقل، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل إيرادات القطاع.
ورغم أن الاستغناء الكامل عن المستشارين لا يزال احتمالاً مستبعداً، فإن انتشار الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين الشركات وعملائها، ويضع المؤسسات الاستشارية أمام تحدي إثبات القيمة الاقتصادية لخدماتها، خصوصاً عندما تستطيع الشركات إنجاز كثير من المهام التقليدية داخلياً دون الحاجة إلى الاستعانة بخبراء خارجيين.
منافسة رقمية
تتشابه منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي مع شركات الاستشارات في اعتمادها على استيعاب كميات ضخمة من المعلومات وتحويلها إلى حلول تلبي احتياجات المستخدمين، غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في سرعة تقديم الخدمات وتكلفتها، وهو ما يمنح التكنولوجيا الجديدة قدرة متزايدة على منافسة المؤسسات الاستشارية.
وتبرز هذه المنافسة بصورة خاصة في الخدمات الأقل تعقيداً، مثل إعداد الدراسات الأولية وتحليل البيانات وصياغة التوصيات والعروض التقديمية، بعدما أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على إنجازها خلال فترات قصيرة مقارنة بالوقت الذي كانت تستغرقه فرق العمل البشرية.
ويعني ذلك أن الشركات التي اعتادت دفع مبالغ كبيرة للحصول على تحليلات وتقارير جاهزة باتت تمتلك بدائل تقنية تتيح لها تنفيذ جانب من هذه الأعمال داخلياً، ما يقلص اعتمادها على المستشارين ويزيد قدرتها على التفاوض بشأن أسعار الخدمات المتخصصة.
لكن المهام الأكثر تعقيداً، خصوصاً المرتبطة بإعادة الهيكلة والتحولات التنظيمية وتنفيذ الاستراتيجيات، لا تزال تتطلب خبرات بشرية وقدرات تنفيذية تتجاوز مجرد إنتاج المعلومات والتوصيات.
رهانات أكسنتشر
في مواجهة هذه المتغيرات، تسعى شركات الاستشارات الكبرى إلى تأكيد قدرتها على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن أنشطتها التقليدية، مع التركيز على تقديم خدمات تساعد العملاء على دمج التكنولوجيا الجديدة في عملياتهم التشغيلية.
وخلال فعالية للمستثمرين نظمتها شركة «أكسنتشر»، دافعت رئيستها التنفيذية جولي سويت عن مكانة الشركة، مؤكدة امتلاكها القدرات الواسعة والكفاءات اللازمة لمساعدة المؤسسات على تحقيق طموحاتها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتستند هذه الرؤية إلى أن تبني التكنولوجيا داخل المؤسسات الكبرى لا يقتصر على شراء أدوات ذكية، بل يتطلب إعادة تنظيم العمليات وتطوير البنية التقنية وتأهيل الموظفين وضمان تكامل الأنظمة مع الاحتياجات التجارية.
وتمنح هذه المتطلبات الشركات الاستشارية المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات فرصاً للاستفادة من موجة التحول، شريطة امتلاكها الكفاءات الفنية القادرة على تنفيذ المشروعات وتحقيق نتائج ملموسة للعملاء.
عمالقة الاستشارات
لا تقتصر التحديات على الشركات التقنية، بل تمتد إلى المؤسسات الاستشارية الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها «ماكينزي» و«بوسطن كونسلتينج جروب» و«باين»، التي ارتبطت سمعتها بقدرتها على تحليل المشكلات المعقدة وتطوير الاستراتيجيات وتقديم المشورة لمجالس الإدارة.
واستمدت هذه المؤسسات جانباً مهماً من نفوذها التاريخي من امتلاك خبرات تحليلية ومنهجيات متخصصة يصعب على العملاء توفيرها داخلياً، لكن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي يهدد بتقليص الفجوة المعرفية التي شكلت أساساً لقيمتها التجارية.
وفي المقابل، قد تستفيد الشركات القادرة على استقطاب المهندسين والمتخصصين في نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي من الطلب المتزايد على الخدمات التقنية المعقدة، خصوصاً لدى المؤسسات التي تواجه صعوبات في تحويل الاستثمارات التكنولوجية إلى نتائج تشغيلية.
وتبرز هنا منافسة جديدة من شركات تطوير الذكاء الاصطناعي نفسها، وفي مقدمتها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، اللتان تتجهان إلى تقديم خدمات متقدمة للمؤسسات، مستفيدتين من خبراتهما المباشرة في تطوير النماذج الذكية وتشغيلها.
ضغوط الإيرادات
يتمثل أحد أكبر التحديات الاقتصادية أمام شركات الاستشارات في تراجع جدوى نموذج العمل التقليدي القائم على احتساب أتعاب الخدمات وفق ساعات العمل التي يقضيها المستشارون في تنفيذ المشروعات.
فقد اعتادت المؤسسات الاستشارية إسناد المهام الروتينية إلى الموظفين المبتدئين، واحتساب ساعات عملهم ضمن العقود، بما يساعد على تغطية تكاليف المشروعات الأكثر تعقيداً وتحقيق هوامش ربح مرتفعة.
لكن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز هذه المهام بسرعة تضعف المبررات الاقتصادية لتحميل العملاء تكاليف ساعات طويلة لإعداد العروض التقديمية وتحليل المعلومات وصياغة التقارير.
ومع اتجاه الشركات إلى تنفيذ هذه الأعمال داخلياً، قد تتراجع الإيرادات المرتبطة بالخدمات الأساسية، ما يفرض على المؤسسات الاستشارية مراجعة هيكل التكاليف وتوزيع الموظفين وآليات تسعير المشروعات.
وقد يدفع ذلك القطاع تدريجياً نحو نموذج يعتمد على القيمة المحققة والنتائج الفعلية بدلاً من عدد ساعات العمل، وهو تحول قد يفيد العملاء لكنه يفرض ضغوطاً على ربحية الشركات خلال المرحلة الانتقالية.
خدمات مؤتمتة
لم تنتظر المؤسسات الاستشارية الكبرى حتى تتحول التكنولوجيا الجديدة إلى تهديد مباشر، بل سارعت إلى دمج الذكاء الاصطناعي في خدماتها وتطوير منتجات مؤتمتة يمكن للعملاء الحصول عليها بتكاليف أقل من الخدمات التقليدية.
وتتيح هذه المنتجات للشركات الاستشارية الاحتفاظ بجزء من الطلب الذي قد ينتقل إلى منصات الذكاء الاصطناعي المستقلة، مع توسيع قاعدة العملاء الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة الاستشارات المتخصصة مرتفعة الأتعاب.
كما بدأت المؤسسات الاستشارية استخدام الأدوات الذكية داخل عملياتها لزيادة الإنتاجية وتسريع إعداد الدراسات وتحسين إدارة المشروعات، في محاولة لتحويل التكنولوجيا إلى مصدر للكفاءة التشغيلية.
غير أن الاعتماد المتزايد على هذه الأنظمة يخلق تحديات تتعلق بدقة المعلومات وجودة المخرجات، خصوصاً مع ظهور حالات تضمنت فيها تقارير استشارية معلومات غير صحيحة ناتجة عن هلوسات الذكاء الاصطناعي.
وتؤكد هذه المخاطر استمرار أهمية المراجعة البشرية والرقابة المهنية، باعتبارهما عنصرين أساسيين للحفاظ على ثقة العملاء ومصداقية التوصيات.
فرص التحول
تاريخياً، استفادت شركات الاستشارات من التحولات التكنولوجية الكبرى، بدءاً من انتشار الإنترنت، مروراً بالتحول الرقمي والبيانات الضخمة، وصولاً إلى الحوسبة السحابية، بعدما نجحت في تحويل التحديات الجديدة إلى فرص تجارية.
وكانت المؤسسات تلجأ إلى المستشارين لفهم التقنيات الناشئة وتحديد فرص الاستثمار وإدارة التغيير، فضلاً عن الحصول على دعم خارجي عند اتخاذ قرارات استراتيجية تنطوي على مخاطر تشغيلية ومالية.
ولا يختلف الذكاء الاصطناعي من حيث حاجته إلى التخطيط والتنفيذ، لكنه يتميز بقدرته على منافسة الشركات الاستشارية في تقديم بعض الخدمات التي تشكل أساس نشاطها.
وقد يؤدي هذا التداخل إلى إعادة توزيع الفرص داخل القطاع، بحيث تتراجع أهمية الخدمات التحليلية التقليدية مقابل زيادة الطلب على التنفيذ التقني وإدارة التحولات المؤسسية المعقدة.
قيمة المشورة
تبقى الثقة عاملاً محورياً في استمرار الطلب على الاستشارات البشرية، خصوصاً عندما تواجه مجالس الإدارة قرارات مصيرية تتعلق بإعادة الهيكلة أو تغيير نماذج الأعمال أو التعامل مع اضطرابات الأسواق.
فالمستشار لا يقدم المعلومات وحدها، بل يساعد الإدارات على تقييم البدائل وتحمل تبعات القرارات وتنفيذ التغييرات داخل المؤسسات، وهي وظائف لا تستطيع الأنظمة الذكية تحمل مسؤوليتها المؤسسية بصورة مستقلة.
كما أن بعض الشركات تستعين بالمستشارين للحصول على تقييم خارجي يمنح قراراتها مزيداً من المصداقية، أو لتوزيع المسؤولية عن الاستراتيجيات التي قد تواجه اعتراضات داخلية.