الذكاء الاصطناعي يهدد دورة ازدهار الرقائق العالمية
بعد أن قادت شركات أشباه الموصلات موجة الصعود التاريخية في الأسواق العالمية خلال العامين الماضيين، مدفوعة بالطلب غير المسبوق على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت المخاوف تتسلل مجدداً إلى المستثمرين بشأن أكثر القطاعات تقلباً في صناعة التكنولوجيا، وهو قطاع شرائح الذاكرة.
ورغم استمرار الطلب القوي على الرقائق المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فإن الأسواق بدأت تتساءل عما إذا كانت الاستثمارات الضخمة التي تضخها الشركات الكبرى حالياً ستؤدي بعد سنوات قليلة إلى فائض في المعروض يعيد الصناعة إلى دوراتها التقليدية من الازدهار والانكماش.
وتأتي هذه المخاوف في وقت أصبحت فيه شركات أشباه الموصلات من أكبر الشركات المدرجة في العالم من حيث القيمة السوقية، كما باتت تمثل ركناً أساسياً في المحافظ الاستثمارية وصناديق التقاعد، ما يجعل أي تغير في أداء القطاع ينعكس مباشرة على ملايين المستثمرين حول العالم.
ضغوط الأسهم
انعكست هذه المخاوف سريعاً على أداء أسهم الشركات الكبرى، إذ فقد سهم سامسونغ إلكترونيكس نحو ثلث قيمته مقارنة بذروة يونيو الماضي، رغم إعلان نتائج فصلية جاءت أفضل من توقعات الأسواق.
كما تراجعت أسهم إس كيه هاينكس المدرجة في كوريا الجنوبية بنحو 40 %، رغم نجاح الشركة في تنفيذ طرح لأسهمها في الولايات المتحدة، بينما هبط سهم مايكرون الأميركية بأكثر من 30 %.
ويرى محللون أن هذه التراجعات لا تعكس ضعف الأداء التشغيلي للشركات، وإنما تعبر عن قلق المستثمرين من المستقبل، واحتمال تحول الاستثمارات الضخمة الحالية إلى فائض إنتاجي خلال السنوات المقبلة.
وتاريخياً، يعد قطاع ذاكرة DRAM من أكثر الصناعات تعرضاً للدورات الاقتصادية الحادة، حيث يؤدي نقص المعروض إلى ارتفاع الأسعار والأرباح، قبل أن يقود التوسع المفرط في الطاقة الإنتاجية إلى انهيار الأسعار وتراجع الأرباح بصورة كبيرة.
استثمارات قياسية
في المقابل، تواصل الشركات الرائدة تنفيذ أكبر برامج استثمارية في تاريخ الصناعة، استناداً إلى توقعات باستمرار الطلب القوي على الذكاء الاصطناعي طوال العقد المقبل.
وأعلنت إس كيه هاينكس خطة استثمارية تبلغ 1100 تريليون وون (نحو 739 مليار دولار)، تشمل إنشاء أربعة مصانع جديدة لإنتاج ذاكرة DRAM في مدينة يونغين، إضافة إلى مصنع للذاكرة الوميضية في تشيونغجو، ومجمع متكامل لأشباه الموصلات في جنوب غربي كوريا الجنوبية.
أما سامسونغ إلكترونيكس، فأعلنت بدورها استثمارات تصل إلى 2100 تريليون وون (نحو 1.4 تريليون دولار) حتى عام 2040 لتطوير أعمال أشباه الموصلات داخل كوريا الجنوبية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان الذي تضعه الشركات على استمرار الطفرة الحالية، لكنها في الوقت نفسه تزيد مخاوف الأسواق من احتمال حدوث توسع يفوق نمو الطلب مستقبلاً.
طلب الذكاء
المحرك الأساسي لهذه الاستثمارات يتمثل في النمو الهائل لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى كميات ضخمة من شرائح الذاكرة عالية الأداء لتشغيل النماذج اللغوية والتطبيقات الذكية.
وتشكل ذاكرة DRAM أحد أهم المكونات داخل مراكز البيانات، إذ تستخدم لتخزين البيانات أثناء تنفيذ العمليات الحسابية، بينما أصبحت الذاكرة عالية النطاق الترددي HBM عنصراً أساسياً في تشغيل معالجات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ويتجاوز الطلب الحالي على هذه الرقائق حجم المعروض، الأمر الذي منح الشركات أرباحاً قياسية خلال الفترة الأخيرة، ودفع العملاء إلى توقيع عقود توريد تمتد لعدة سنوات لضمان استمرار الإمدادات.
إلا أن هذا الطلب يبقى مرتبطاً باستمرار الإنفاق الضخم لشركات الحوسبة السحابية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة السوق على الحفاظ على نفس الزخم بعد اكتمال المرحلة الأولى من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
دروس الماضي
صناعة شرائح الذاكرة ليست غريبة عن التقلبات، فقد شهدت خلال العقود الماضية موجات متكررة من الطفرات والانهيارات، نتيجة ضخامة الاستثمارات وطول الفترة الزمنية اللازمة لبناء المصانع الجديدة.
وفي تسعينيات القرن الماضي كان هناك نحو عشرين منتجاً رئيسياً لذاكرة DRAM، لكن معظمهم خرج من السوق بعد انهيارات الأسعار، ولم يبق سوى الشركات التي تمكنت من تحمل كلفة الاستثمار والتقلبات الدورية.
ويرى مراقبون أن هذا التاريخ يجعل المستثمرين أكثر حذراً اليوم، خاصة مع إعلان الشركات الثلاث الكبرى عن أكبر توسعات إنتاجية شهدها القطاع على الإطلاق.
كما أن بناء مصنع جديد يستغرق سنوات طويلة، ما يعني أن أي قرارات استثمارية يتم اتخاذها اليوم لن تؤثر في حجم المعروض إلا بعد عدة أعوام، وهو ما يزيد صعوبة تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
عامل الصين
تمثل الصين حالياً أكبر عنصر لعدم اليقين في مستقبل سوق الرقائق، مع استمرار توسع شركة تشانغ شين لتقنيات الذاكرة، التي أصبحت تقترب تدريجياً من منافسة الشركات العالمية الكبرى.
وتشغل الشركة الصينية ثلاثة مصانع لإنتاج رقائق DRAM بقياس 12 بوصة، وتخطط لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى نحو 350 ألف رقاقة شهرياً بنهاية العام الجاري، مع استهداف الوصول إلى 500 ألف رقاقة شهرياً بحلول عام 2028.
كما تستعد الشركة لطرح عام أولي بقيمة تتجاوز 9 مليارات دولار، وهو ما قد يوفر لها تمويلاً إضافياً لتوسيع قدراتها الإنتاجية وزيادة حصتها في السوق العالمية.
وتتوقع مؤسسة مورغان ستانلي أن تستحوذ الصين على نحو 30% من صافي الزيادات العالمية في إنتاج ذاكرة DRAM حتى عام 2028، لتصبح ثاني أكبر مساهم في نمو الإنتاج بعد كوريا الجنوبية.
عوامل التوازن
ورغم المخاوف من فائض المعروض، يرى عدد من المحللين أن الدورة الحالية تختلف عن سابقاتها، نظراً للطبيعة المعقدة لشرائح الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
فإنتاج ذاكرة HBM يحتاج إلى تقنيات أكثر تعقيداً، ويستهلك كمية أكبر من رقائق السيليكون، كما أن تحسين كفاءة هذه الرقائق أصبح أكثر صعوبة من الناحية التقنية، وهو ما يحد من قدرة الشركات على إغراق السوق بالإنتاج.
كما أن العقود طويلة الأجل التي وقعتها الشركات مع كبار العملاء، والمتضمنة دفعات مقدمة وحدوداً دنيا للأسعار، توفر قدراً أكبر من الاستقرار مقارنة بالدورات السابقة، وتقلل احتمالات حدوث انهيارات مفاجئة في الأسعار.
في المقابل، تشير بعض التقديرات إلى أن ذاكرة DRAM التقليدية قد تواجه فائضاً في الطاقة الإنتاجية اعتباراً من عام 2029 إذا استمرت خطط التوسع الحالية دون نمو مماثل في الطلب.