الذكاء الاصطناعي يهدد مخزون الخبرة البشرية مستقبلا
حقق الذكاء الاصطناعي التوليدي قفزة كبيرة في إنتاجية الشركات والمؤسسات، وأصبح قادراً على إنجاز مهام كانت تستغرق ساعات أو أياماً خلال دقائق. وبينما تنظر الحكومات والشركات إلى هذه الطفرة باعتبارها بداية مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي، يبرز تساؤل أكثر عمقاً يتعلق بتأثيرها في تكوين الخبرة البشرية على المدى الطويل.
فالخطر، بحسب باحثين، لا يكمن في قدرة الآلات على أداء الأعمال، وإنما في احتمال أن يفقد الجيل الجديد فرص التعلم التي كانت تصنع الخبراء عبر سنوات من الممارسة والتجربة والخطأ. وإذا استمرت التكنولوجيا في اختصار مراحل التعلم، فقد يجد العالم نفسه بعد سنوات أمام قوة عاملة أكثر سرعة في إنجاز المهام، لكنها أقل قدرة على الابتكار والتعامل مع المشكلات الجديدة التي لا تمتلك حلولاً جاهزة.
ويرى الباحثون أن الخبراء الذين يحققون اليوم أعلى مستويات الإنتاجية لم يبنوا مهاراتهم باستخدام الذكاء الاصطناعي، بل اكتسبوها عبر سنوات طويلة من التدريب والتفكير النقدي والاحتكاك بالمشكلات الواقعية. لذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الخبرة بقدر ما يعتمد على خبرة تراكمت قبل ظهوره، وهو ما يثير مخاوف من تراجع أعداد الخبراء مستقبلاً إذا لم تستمر البيئة القادرة على إنتاجهم.
بناء الخبرة يتراجع
تشير الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يحقق أكبر أثر في الوظائف التي تعتمد على استرجاع المعلومات وإنجاز المهام المتكررة، مثل خدمة العملاء والاستشارات والأعمال المكتبية.
ففي إحدى الدراسات التي أجريت على موظفي خدمة العملاء في شركة برمجيات أميركية، ارتفعت إنتاجية الموظفين الأقل خبرة بنحو 34 % عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما كان تأثيرها محدوداً على أصحاب الخبرة الطويلة. كما توصلت دراسة داخل مجموعة بوسطن الاستشارية إلى نتائج مشابهة، إذ تحسنت سرعة وجودة الأداء لدى المبتدئين بدرجة أكبر من المحترفين.
وتعكس هذه النتائج قدرة الذكاء الاصطناعي على نقل المعرفة المتراكمة بسرعة إلى الموظفين الجدد، لكنه لا يمنحهم القدرة على إصدار الأحكام في الحالات غير المألوفة أو ابتكار حلول للمشكلات المعقدة.
ويؤكد الباحثون أن هناك فرقاً بين المهام التي تعتمد على الوصول إلى المعلومات الصحيحة، وهي البيئة التي يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي، وبين الأعمال التي تتطلب الإبداع والحدس والخبرة المتراكمة، مثل تطوير النظريات العلمية، أو تشخيص الحالات الطبية النادرة، أو ابتكار تقنيات جديدة.
ويصف الفيلسوف مايكل بولاني هذا النوع من الخبرة بـ«المعرفة الضمنية»، وهي معرفة يكتسبها الإنسان بالممارسة الطويلة ولا يمكن نقلها بالكامل عبر الكتب أو التعليمات أو الإجابات الجاهزة.
المهام الروتينية
يحذر الباحثون من أن الذكاء الاصطناعي يواجه صعوبة عندما يتعامل مع مشكلات تقع خارج نطاق المعرفة التي تدرب عليها.
ففي تجربة أجريت على مستشارين إداريين، تراجعت جودة الأداء بصورة واضحة عندما استخدموا الذكاء الاصطناعي لحل مسائل لم يكن قادراً على التعامل معها بدقة، وكانت المشكلة الأكبر أن كثيراً من المستخدمين لم يمتلكوا الخبرة اللازمة لاكتشاف الأخطاء، فاعتمدوا على إجابات بدت مقنعة لكنها لم تكن صحيحة.
ويطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «الحدود التكنولوجية المتعرجة»، حيث يصعب على المستخدم معرفة اللحظة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي حدود كفاءته، ولا يستطيع اكتشاف ذلك إلا من يمتلك خبرة حقيقية في المجال.
كما يشيرون إلى أن الخبرة المهنية لا تتكون من خلال الحصول على الإجابات الصحيحة فقط، وإنما عبر مواجهة المشكلات، وتلقي الملاحظات، والتعلم من الأخطاء، وهو ما يعرف بمفهوم «التدريب المتعمد» الذي طوره عالم النفس أندرس إريكسون.
لكن هذا المسار أصبح أقل حضوراً في بيئة العمل الحديثة، إذ يستطيع الموظف المبتدئ اليوم إعداد تقرير أو تحليل باستخدام الذكاء الاصطناعي بجودة تقارب عمل الموظف الخبير، ما يحسن الإنتاجية الحالية، لكنه قد يقلل فرص تكوين الخبراء الذين ستحتاج إليهم المؤسسات مستقبلاً.
توظيف المبتدئين
لا تقتصر آثار الذكاء الاصطناعي على التعليم، بل تمتد إلى سوق العمل نفسه.
فالشركات التي تعتمد هذه التقنيات أصبحت تقلص توظيف الموظفين المبتدئين، مع استمرار احتفاظها بالخبراء القادرين على مراجعة المخرجات واكتشاف الأخطاء.
وتظهر بيانات حديثة تراجعاً ملحوظاً في توظيف الفئة العمرية بين 22 و25 عاماً داخل الوظائف الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، وهو ما يصفه الباحثون بأنه «تحول تكنولوجي منحاز إلى الأقدمية».
وقد يبدو هذا القرار منطقياً على المدى القصير لأنه يخفض التكاليف ويرفع الإنتاجية، لكنه يثير تحدياً طويل الأجل، إذ إن الموظفين الذين لا يحصلون على فرصة العمل اليوم هم الخبراء الذين ستحتاج إليهم الشركات بعد سنوات.
وتزداد المشكلة إذا اتبعت معظم المؤسسات النهج نفسه، لأن الصناعة بأكملها قد تفقد تدريجياً خط إنتاج الكفاءات البشرية، لتواجه مستقبلاً نقصاً في القيادات والخبرات المتخصصة.
مستقبل الابتكار يعتمد
على الاستثمار في البشر
يضرب الباحثون مثالاً بصناعة البرمجيات، حيث أجبرت القيود التقنية في بدايات الحوسبة المبرمجين على ابتكار حلول وخوارزميات عالية الكفاءة، بينما أدى تطور الأجهزة لاحقاً إلى تراجع الحاجة إلى هذا المستوى من الابتكار.
ويرون أن الذكاء الاصطناعي قد يحدث أثراً مشابهاً، إذ يوفر حلولاً جاهزة للمشكلات التي كانت تتطلب سابقاً تفكيراً وإبداعاً، ما قد يقلل تدريجياً من تنوع الأفكار والقدرة على تطوير حلول غير مسبوقة.
كما أن معظم نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية صُممت لتقديم إجابات سريعة ترضي المستخدم، وليس لتدريبه على التفكير المستقل أو دفعه إلى اكتشاف الحل بنفسه، وهو ما يجعلها في الواقع «محرك إجابات» أكثر من كونها معلماً أو مدرباً.