الذهب مرشح لبلوغ 6000 دولار 2027
يحتفظ الذهب بعوامل دعم قوية على المدى الطويل، رغم التقلبات التي تفرضها السياسة النقدية الأمريكية وتحركات الدولار والعوائد، وسط توقعات بأن يمتد الاتجاه الصاعد للمعدن النفيس خلال العام المقبل، مدعوماً بتراكم الديون وعجز الموازنة الأمريكية واستمرار مشتريات البنوك المركزية.
وقال محلل الأسواق المالية دانيال البنا إن هذه العوامل يمكن أن تدفع سعر الذهب إلى نطاق يتراوح بين 5600 و6000 دولار للأونصة بحلول 2027، مع توقع تراجع حدة المضاربة التي ميزت جانباً من التحركات الأخيرة للأسعار.
وتأتي هذه التوقعات في وقت أصبحت فيه الأسواق أكثر حساسية لقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بعدما تمسك البنك المركزي بقراءة البيانات الاقتصادية أساساً لتحديد مسار أسعار الفائدة، في مواجهة الضغوط السياسية التي مارسها الرئيس دونالد ترامب باتجاه سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
استقلال الفيدرالي
ويرى البنا أن الاحتياطي الفيدرالي نجح في استعادة جزء من ثقة الأسواق في استقلاليته، بعدما أظهر أن قرارات السياسة النقدية ستظل مرتبطة بمؤشرات الاقتصاد والتضخم وسوق العمل، وليس بالمطالب السياسية الصادرة من البيت الأبيض.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، لأن العلاقة بين المعدن وسياسة الفائدة الأمريكية أصبحت أحد أبرز محركات الأسعار قصيرة الأجل. فارتفاع الفائدة والعوائد الحقيقية يزيد عادة جاذبية السندات والدولار مقارنة بالذهب الذي لا يوفر عائداً دورياً، بينما يؤدي خفض الفائدة إلى تقليص تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.
ومن هنا، فإن تمسك الفيدرالي بسياسة تعتمد على البيانات قد يحد من بعض الرهانات المضاربية التي تفترض تخفيضات سريعة للفائدة، لكنه في الوقت نفسه يمنح المستثمرين رؤية أوضح تجاه السياسة النقدية.
وتزداد أهمية ذلك مع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف، ما يعني أن أي تحول في أسعار الفائدة سيحتاج إلى أدلة اقتصادية قوية. وبالتالي، قد يشهد الذهب تقلبات مرتبطة بكل قراءة جديدة للتضخم أو الوظائف، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير اتجاهه الاستراتيجي طويل الأجل.
دعم الديون
وبعيداً عن قرارات الفائدة قصيرة الأجل، يضع البنا مستويات الدين وعجز الموازنة ضمن أهم العوامل التي يمكن أن تدعم الذهب خلال السنوات المقبلة. فكلما زادت حاجة الحكومة الأمريكية إلى الاقتراض، تصاعدت مخاوف المستثمرين بشأن استدامة المالية العامة والقيمة الحقيقية للأصول المقومة بالدولار على المدى البعيد.
وهذه المخاوف تمنح الذهب دوراً أكبر باعتباره أداة لتنويع المحافظ والتحوط من المخاطر المالية والنقدية. ولا يعني ذلك أن ارتفاع الدين يؤدي تلقائياً إلى صعود المعدن، لكنه يوفر خلفية طويلة الأمد يمكن أن تزيد الطلب عليه، خصوصاً في فترات عدم اليقين.
وتضاف إلى ذلك مشتريات البنوك المركزية، التي أصبحت عنصراً مهماً في هيكل الطلب العالمي على الذهب. وتسعى بنوك مركزية عديدة إلى زيادة حصة المعدن ضمن احتياطياتها وتنويع الأصول بعيداً عن العملات والسندات التقليدية، ما يوفر مصدراً للطلب يختلف عن المضاربات اليومية في الأسواق.
ويكتسب هذا الطلب أهمية لأنه يميل إلى أن يكون طويل الأجل وأقل حساسية لتحركات الأسعار اليومية، الأمر الذي يمكن أن يوفر دعماً هيكلياً للسوق حتى عندما تتعرض الأسعار لموجات تصحيح.
هدف 2027
وانطلاقاً من هذه العوامل، يتوقع البنا أن يتحرك الذهب باتجاه مستويات تتراوح بين 5600 و6000 دولار للأونصة بحلول 2027. ويعني الوصول إلى تلك المستويات استمرار الاتجاه الصاعد، لكن بصورة قد تصبح أكثر ارتباطاً بالعوامل الأساسية وأقل اعتماداً على موجات المضاربة الحادة.
ويبقى تحقيق هذه المستهدفات مرهوناً بعدة متغيرات، أبرزها اتجاه الدولار والعوائد الأمريكية ومسار التضخم والفائدة، إلى جانب حجم مشتريات البنوك المركزية وتطور أوضاع المالية العامة الأمريكية والمخاطر الجيوسياسية.
وفي المقابل، يمكن أن يمثل ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول أو صعود العوائد الحقيقية والدولار عوامل ضغط على الذهب، خصوصاً على المدى القصير. كما أن بلوغ مستويات سعرية مرتفعة يزيد بطبيعته احتمالات جني الأرباح والتصحيحات.
إلا أن الفارق الأساسي بين التصحيح وانعكاس الاتجاه يتمثل في استمرار المحركات الهيكلية. فإذا بقيت مستويات الدين والعجز مرتفعة واستمرت البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها، فإن تراجعات الأسعار قد لا تكون كافية لإنهاء المسار الصاعد طويل الأجل.
العوامل الهيكلية تبقي الذهب صاعداً
تبدو معادلة الذهب خلال الفترة المقبلة موزعة بين ضغوط قصيرة الأجل مرتبطة بسياسة الاحتياطي الفيدرالي، وعوامل طويلة الأجل تصب في مصلحة المعدن. فاستقلالية البنك المركزي وتمسكه بالبيانات قد يقللان من الرهانات على تيسير نقدي سريع، وهو ما يمكن أن يفرض تقلبات وتصحيحات مرحلية على الأسعار.
لكن في المقابل، تظل الديون الأمريكية وعجز الموازنة ومشتريات البنوك المركزية عناصر دعم يصعب تجاهلها عند تقييم المسار البعيد للذهب. ومن هنا تأتي توقعات وصول الأونصة إلى نطاق 5600 و6000 دولار خلال 2027، مع انتقال السوق تدريجياً من موجات الصعود المضاربية الحادة إلى اتجاه يستند بصورة أكبر إلى الطلب المؤسسي والتحوط من المخاطر المالية والنقدية.