الذهب يتألق فوق حاجز 4180 دولاراً
واصلت أسعار الذهب ارتفاعها خلال تعاملات الثلاثاء، مستفيدة من تراجع الدولار الأميركي وانخفاض عوائد سندات الخزانة، في وقت يترقب فيه المستثمرون سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية التي قد تحدد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة. وجاء صعود المعدن النفيس بالتزامن مع تراجع أسعار النفط، ما ساهم في تهدئة بعض المخاوف المرتبطة بالتضخم، ودفع المتعاملين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة الأميركية.
وارتفع الذهب في المعاملات الفوريـة بنسبة 0.3 % ليصل إلى 4184.84 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش، بينما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بنسبة 0.4 % إلى 4209 دولارات، في مؤشر على استمرار الطلب على المعدن الأصفر رغم حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق المالية العالمية.
الدولار يتراجع
تلقى الذهب دعماً من انخفاض العملة الأميركية عن أعلى مستوياتها في 18 شهراً، وهو ما عزز جاذبية المعدن النفيس بالنسبة للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى، نظراً إلى أن الذهب يُسعّر عالمياً بالدولار.
كما انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل عشر سنوات إلى أدنى مستوياتها منذ الثاني من أكتوبر، ما قلص تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يوفر عائداً دورياً لحائزيه. وتعد العلاقة بين الذهب وعوائد السندات من العوامل الرئيسية المؤثرة في تحركات المعدن النفيس، إذ يؤدي ارتفاع العوائد عادة إلى زيادة جاذبية الأصول المدرة للفائدة، بينما يساهم انخفاضها في تعزيز الطلب على الذهب.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع تراجع أسعار النفط، التي اتجهت نحو تسجيل أول خسائر لها منذ نحو أسبوع، بعدما أعاد المستثمرون تقييم مخاطر الإمدادات العالمية وتداعيات التوترات الجيوسياسية.
ويمكن أن يخفف انخفاض أسعار الطاقة من الضغوط التضخمية، ما ينعكس على توقعات أسعار الفائدة، وبالتالي على حركة الدولار والسندات والمعادن الثمينة.
ورغم هذا الدعم، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع التحركات قصيرة الأجل، خصوصاً أن اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة يعتمد بدرجة كبيرة على نتائج البيانات الاقتصادية الأميركية وموقف الاحتياطي الفيدرالي.
اختبار التضخم
تتجه أنظار المستثمرين إلى أسبوع حافل بالمؤشرات الاقتصادية الأميركية، يتصدره تقرير أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر، المقرر صدوره الأربعاء، والذي يمثل أحد أهم المقاييس المستخدمة لتقييم اتجاه التضخم.
ومن المنتظر أن تصدر الخميس بيانات أسعار المنتجين ومبيعات التجزئة، وهي مؤشرات توفر صورة إضافية عن الضغوط السعرية وقوة الإنفاق الاستهلاكي في أكبر اقتصاد بالعالم.
كما يترقب المستثمرون ظهور رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وورش، أمام صندوق النقد الدولي الجمعة، بحثاً عن إشارات جديدة بشأن توجهات السياسة النقدية ومستقبل أسعار الفائدة.
وقال أولي هانسن، مدير أبحاث السلع الأولية لدى «ساكسو بنك»، إن الأسواق تركز حالياً على هذه البيانات والتصريحات، نظراً إلى قدرتها على التأثير في الاتجاه القريب لعوائد السندات والدولار، وبالتالي أسعار المعادن الثمينة.
وتشير تقديرات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» إلى أن المتعاملين يمنحون احتمالاً بنسبة 17 % لرفع الفائدة الأميركية خلال أكتوبر، مقابل احتمال يبلغ 87 % لرفعها في ديسمبر، وفق الأرقام الواردة في تقرير رويترز.
وتعكس هذه التوقعات اختلاف تقييم المستثمرين لتوقيت التحركات النقدية المقبلة، وسط ترقب مدى استمرار التضخم وقدرة الاقتصاد الأميركي على تحمل تكاليف الاقتراض المرتفعة.
وفي حال أظهرت البيانات تباطؤاً في الضغوط التضخمية، فقد تتراجع توقعات التشديد النقدي، الأمر الذي قد يدعم الذهب عبر انخفاض العوائد والدولار. أما إذا جاءت القراءات أعلى من المتوقع، فقد تتعرض أسعار المعدن لضغوط نتيجة ارتفاع احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة.
المعادن تلمع
لم تقتصر المكاسب على الذهب، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة، في ظل تحسن الطلب وتراجع الدولار. وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.2 % إلى 60.41 دولاراً للأوقية، فيما صعد البلاتين بنسبة 0.8 % إلى 1698.75 دولاراً، مسجلاً أقوى ارتفاع بين المعادن الأربعة خلال التعاملات المذكورة.
كما زاد البلاديوم بنسبة 0.2 % ليصل إلى 1145.62 دولاراً للأوقية، في تحركات تعكس استفادة المعادن النفيسة من الظروف المالية الداعمة.
وتختلف العوامل المؤثرة في هذه المعادن، إذ ترتبط الفضة والبلاتين والبلاديوم أيضاً بالطلب الصناعي، إلى جانب دورها الاستثماري، ما يجعل أسعارها حساسة للتغيرات في النشاط الاقتصادي العالمي.
ويعزز ارتفاع المعادن مجتمعة أهمية تحركات الدولار وعوائد السندات في توجيه أسواق السلع، خصوصاً خلال الفترات التي تشهد ترقباً لقرارات السياسة النقدية الأميركية.
بيانات واشنطن ترسم اتجاه الذهب
تدخل سوق الذهب مرحلة مهمة مع اقتراب صدور بيانات التضخم الأميركية، بعدما ساعد انخفاض الدولار والعوائد على إبقاء الأسعار فوق مستوى 4180 دولاراً للأوقية.
ورغم استمرار العوامل الداعمة للمعدن النفيس، فإن المستثمرين يترقبون مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن اتجاه الفائدة، وسط تداخل تأثيرات التضخم والطاقة والنمو الاقتصادي.
وستظل نتائج البيانات المرتقبة وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب على المدى القريب، إذ قد تحدد ما إذا كان المعدن الأصفر سيواصل مكاسبه، أم يواجه موجة من جني الأرباح بعد ارتفاعاته الأخيرة.