الذهب يتراجع إلى 4399 دولارا بضغط الفائدة
تراجعت أسعار الذهب بصورة طفيفة خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما وضعت القفزة في أسعار النفط المعدن النفيس تحت ضغوط متزايدة، في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور بيانات التضخم الأمريكية هذا الأسبوع بحثاً عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ومسار أسعار الفائدة.
وانخفض الذهب فـي المعامـلات الفوريــة 0.1 % إلى 4399.99 دولار للأوقية بحلول الساعة 10:24 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل 4442.70 دولار في وقت سابق من الجلسة، بينما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر 0.7 % إلى 4444.50 دولار، مع استمرار حالة الحذر في الأسواق.
ضغوط النفط
تواجه سوق الذهب معادلة معقدة نتيجة ارتفاع أسعار الخام إلى أعلى مستوياتها في عدة أسابيع، إذ تعزز زيادة تكاليف الطاقة مخاطر عودة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه أسعار الفائدة.
وقال نيكوس تسابوراس، محلل الأسواق لدى «ترادو دوت كوم» المملوكة لـ«جيفريز»، إن الحذر يسيطر على تداولات الذهب، في ظل وقوع المعدن بين عاملين متعارضين، هما الرهانات على رفع أسعار الفائدة الأمريكية وضعف الدولار.
وتؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى زيادة توقعات التضخم، وبالتالي تعزيز احتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، وهو عامل سلبي عادة بالنسبة إلى الذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً وتزداد تكلفة الفرصة البديلة لحيازته عندما ترتفع الفائدة.
وجاء صعود الخام بالتزامن مع تجدد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعدما هاجمت حركة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران منشآت للطاقة ومدناً في السعودية، حليفة الولايات المتحدة، ما ساهم في استمرار ارتفاع أسعار النفط ووصولها إلى أعلى مستوياتها في أسابيع.
ورغم أن التوترات الجيوسياسية توفر عادة دعماً للذهب باعتباره ملاذاً آمناً، فإن الأسواق تركز حالياً بصورة أكبر على التأثير التضخمي لارتفاع النفط، وما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما حد من استفادة المعدن من تصاعد المخاطر في المنطقة.
رهانات الفائدة
ازدادت الضغوط على الذهب منذ صدور بيانات سوق العمل الأمريكية، إذ هبط المعدن في المعاملات الفورية بما يصل إلى 2.4 % يوم الجمعة، بعدما أظهرت الأرقام تسارعاً حاداً في نمو الوظائف خلال أغسطس، بالتزامن مع استقرار معدل البطالة عند 4.1 %.
وعززت قوة سوق العمل الاعتقاد بأن الاقتصاد الأمريكي قادر على تحمل سياسة نقدية أكثر تشدداً، ما دفع المتعاملين إلى زيادة رهاناتهم على احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل.
ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي»، تسعـر الأسـواق حالياً احتمالاً بنسبـة 60 % لرفع سعر الفائدة، مقارنة بنحو 50 % قبل صدور بيانات الوظائف، ما يعكس التحول السريع في توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية.
ويكتسب مسار الفائدة أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، فالمعدن النفيس لا يقدم لحائزيه عائداً دورياً، ولذلك تصبح السندات والأصول المدرة للفائدة أكثر جاذبية عندما ترتفع أسعار الفائدة، ما قد يدفع جزءاً من المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من الذهب.
لكن المعدن تلقى في المقابل بعض الدعم من تراجع مؤشر الدولار، إذ يجعل ضعف العملة الأمريكية الذهب المقوم بالدولار أقل تكلفة بالنسبة إلى المشترين الذين يحملون عملات أخرى، وهو ما ساعد على الحد من حجم الخسائر خلال تعاملات الثلاثاء.
وتبقى قوة الدولار وعوائد السندات الأمريكية من أهم المؤشرات التي تراقبها سوق المعادن، لأن أي صعود جديد فيهما بالتزامن مع زيادة توقعات رفع الفائدة قد يضيف مزيداً من الضغوط على أسعار الذهب.
اختبار التضخم
تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات التضخم الأمريكية المقرر صدورها في وقت لاحق من الأسبوع، والتي يمكن أن تحسم جانباً مهماً من الجدل حول الخطوة التالية للاحتياطي الفيدرالي، بعد أن أعادت قوة سوق العمل وارتفاع النفط احتمالات رفع الفائدة إلى الواجهة.
ومن المقرر صدور بيانات مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة الخميس، يليها مؤشر أسعار المستهلكين الجمعة، وستبحث الأسواق داخل الأرقام عن أي دليل على تسارع الضغوط السعرية، خصوصاً مع الارتفاع الأخير في تكاليف الطاقة.
وإذا أظهرت البيانات تضخماً أقوى من المتوقع، فقد ترتفع رهانات رفع الفائدة أكثر من المستويات الحالية، ما يشكل ضغطاً إضافياً على الذهب. أما إذا جاءت الأرقام أضعف، فقد تتراجع توقعات التشديد النقدي ويستعيد المعدن بعض الدعم.
وفي أسواق المعادن النفيسة الأخرى، انخفضت الفضة في المعاملات الفورية 0.1 % إلى 66.08 دولار للأوقية، بينما ارتفع البلاتين 0.6 % إلى 1836.72 دولار، فـي حين تراجـع البلاديوم 0.4 % إلى 1387.43 دولار.
التضخم يحسم اتجاه الذهب
يدخل الذهب الأيام المقبلة بين قوتين متعارضتين؛ فمن ناحية، توفر التوترات الجيوسياسية وضعف الدولار دعماً للمعدن النفيس، ومن ناحية أخرى، يزيد ارتفاع النفط وقوة سوق العمل الأمريكية احتمالات رفع أسعار الفائدة، ما يقلص جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً.
وسيكون الاختبار الأكثر أهمية هو بيانات أسعار المنتجين والمستهلكين، إذ يمكن لأي مفاجأة تضخمية صعودية أن تدعم سيناريو تشديد السياسة النقدية وترفع الضغوط على المعدن، بينما قد تعيد الأرقام الضعيفة الرهانات على سياسة أقل تشدداً.
وبعدما رفعت الأسواق احتمال زيادة الفائدة إلى 60 % من 50 % قبل بيانات الوظائف، أصبحت تحركات الذهب أكثر ارتباطاً بكل إشارة جديدة بشأن التضخم. ولذلك قد تحدد بيانات هذا الأسبوع ما إذا كان تراجع المعدن قرب 4400 دولار مجرد حركة مؤقتة، أم بداية مرحلة أكثر صعوبة تحت ضغط عودة الفائدة الأمريكية إلى صدارة حسابات المستثمرين.