الذهب يتراجع مع صعود الدولار وارتفاع عوائد السندات
تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الثلاثاء متأثرة بارتفاع الدولار الأميركي وصعود عوائد سندات الخزانة، في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يونيو، بحثاً عن إشارات أوضح بشأن توجهات السياسة النقدية تحت قيادة المحافظ الجديد كيفن وارش. وبينما تعرض المعدن النفيس لضغوط بفعل قوة العملة الأميركية وارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائداً، يرى محللون أن العوامل الأساسية الداعمة للذهب لا تزال قائمة، وفي مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وحالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي التي تخيم على الأسواق العالمية
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.9 % إلى 4127.59 دولاراً للأونصة، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطس بنسبة 0.7 % إلى 4139.50 دولاراً للأونصة، لينهي المعدن النفيس جزءاً من المكاسب التي سجلها خلال الجلسات الماضية.
ضغوط الدولار
جاء تراجع الذهب متزامناً مع ارتفاع مؤشر الدولار الأميركي، الأمر الذي زاد من تكلفة شراء المعدن النفيس بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما قلص الطلب الاستثماري على الذهب خلال تعاملات الثلاثاء.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها في أسبوعين، لتزيد من جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالذهب، الذي لا يوفر عائداً لحائزيه، وهو ما دفع شريحة من المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية.
وقال مات سيمبسون، كبير المحللين في «ستون إكس»، إن الذهب حقق أداءً قوياً خلال الأسبوع الماضي، ولذلك فإن عمليات جني الأرباح الحالية تبدو طبيعية، مضيفاً أن السوق لا يزال ينتظر محفزات جديدة تحدد الاتجاه المقبل للأسعار.
ترقب الفيدرالي
وتتجه أنظار الأسواق إلى محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يعقد يومي 16 و17 يونيو، والمقرر نشره الأربعاء، وسط ترقب واسع لأي مؤشرات توضح طريقة تفكير صناع السياسة النقدية بشأن أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ويكتسب هذا المحضر أهمية خاصة باعتباره الأول في ظل متابعة الأسواق لنهج المحافظ الجديد كيفن وارش، الذي يحاول المستثمرون استقراء رؤيته بشأن التضخم والنمو الاقتصادي وتوقيت أي تعديلات محتملة في أسعار الفائدة.
وقال نيكولاس فرابل، المدير في شركة «إيه.بي.سي ريفاينري»، إن الأسواق تبحث حالياً عن أي إرشادات تساعدها على فهم توجهات البنك المركزي الأميركي على المدى القصير، موضحاً أن محضر الاجتماع قد يحدد مسار الأسواق خلال الأسابيع المقبلة.
ويرى محللون أن أي إشارات إلى استمرار تشديد السياسة النقدية أو الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول قد تشكل ضغوطاً إضافية على الذهب، بينما قد تمنح اللهجة الأقل تشدداً دعماً سريعاً للمعدن النفيس.
الفائدة والذهب
ترتبط أسعار الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة الأميركية، إذ يؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة جاذبية السندات والأصول المدرة للعائد، في مقابل تراجع الإقبال على الذهب.
ورغم تراجع الذهب بأكثر من 25 % مقارنة بمستوياته القياسية المسجلة في وقت سابق من العام، فإن المعدن الأصفر لا يزال يحافظ على مكانته ضمن أهم أدوات التحوط، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي. وكان الذهب قد سجل، الاثنين، أعلى مستوياته في أسبوعين، مستفيداً من تراجع المخاوف المتعلقة بالتضخم بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب بيانات الوظائف الأميركية التي جاءت أضعف من المتوقع، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة خلال المدى القريب.
وتشير بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» إلى أن الأسواق باتت تتوقع احتمالاً يقارب 56 % لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر، مقارنة بأكثر من 60 % قبل صدور بيانات الوظائف الأخيرة، وهو ما يعكس تغيراً تدريجياً في توقعات المستثمرين.
ملاذ آمن
ورغم التقلبات الأخيرة، يؤكد مجلس الذهب العالمي أن المعدن الأصفر لا يزال يؤدي دوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات.
وقال رئيس قسم الشرق الأوسط والسياسة العامة في المجلس، أندرو نايلور، إن الذهب قد يتعرض أحياناً لضغوط بيعية في المراحل الأولى من الأزمات الكبرى، ليس بسبب تراجع جاذبيته، وإنما نتيجة حاجة المستثمريـن إلــى تـوفير السيولة.
وأوضح أن هذا السيناريو تكرر خلال الأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009، عندما باع المستثمرون جزءاً من حيازاتهم من الذهب لتغطية خسائر في أصول أخرى، قبل أن يستعيد المعدن النفيس مكاسبه مع استمرار حالة عدم اليقين.
وأضاف أن الذهب يعود عادة إلى الارتفاع مع امتداد الأزمات وتصاعد المخاطر الاقتصادية أو السياسية، وهو ما يعزز مكانته كأحد أهم أدوات التحوط طويلة الأجل.
شراء البنوك
وأشار نايلور إلى أن مشتريات البنوك المركزية أصبحت أحد أبرز العوامل الداعمة لسوق الذهب خلال السنوات الأخيرة، بعدما ارتفعت إلى نحو ألف طن سنوياً، مقارنة بنحو 500 طن فقط في الفترات السابقة.
وأوضح أن البنوك المركزية تنظر إلى الذهب باعتباره أصلاً استراتيجياً يحافظ على قيمة الاحتياطيات ويحد من مخاطر تقلبات العملات والأسواق المالية، خاصة في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية العالمية.
وأضاف أن الدراسات التي أجراها مجلس الذهب العالمي أظهرت أن دوافع البنوك المركزية لا تختلف كثيراً عن دوافع المستثمرين الأفراد، إذ يظل التحوط من التضخم والحفاظ على القيمة في مقدمة أسباب شراء المعدن النفيس.
وكشفت نتائج المسح الأخير أن نحو 90 % من البنوك المركزية تتوقع ارتفاع أسعار الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، فيما يرى نحو 46 % منها أن المعدن الأصفر سيواصل تحقيق مكاسب قوية خلال الفترة المقبلة.
توازن دقيق بين عاملين رئيسيين
ويرى محللون أن الذهب سيظل يتحرك خلال الفترة المقبلة وفق توازن دقيق بين عاملين رئيسيين؛ أولهما مسار السياسة النقدية الأميركية، وثانيهما استمرار الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية.
فإذا أظهرت محاضر الاحتياطي الفيدرالي ميلاً إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، فقد يواجه الذهب مزيداً من الضغوط على المدى القصير. أما إذا عززت البيانات احتمالات تخفيف السياسة النقدية مستقبلاً، فقد يستعيد المعدن النفيس زخمه سريعاً.
وفي المقابل، يظل الطلب الرسمي من البنوك المركزية، إلى جانب استمرار المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي، عاملاً داعماً للأسعار على المديين المتوسط والطويل، وهو ما يدفع العديد من المؤسسات الاستثمارية إلى الإبقاء على نظرة إيجابية تجاه الذهب، رغم التراجعات الحالية والتقلبات اليومية التي تشهدها الأسواق.