الذهب يتراجع مع صعود رهانات الفائدة
تراجعت أسعار الذهب في تعاملات الاثنين، بعدما أعاد تقرير قوي لسوق العمل الأميركية تشكيل توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية، وعزز الرهانات على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في سبتمبر، ما ضغط على المعدن النفيس مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية.
وجاء هبوط الذهب بينما يترقب المستثمرون مجموعة من بيانات التضخم الأميركية المهمة خلال الأيام المقبلة، بحثاً عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن ما إذا كان الاقتصاد لا يزال يتحمل تشديداً نقدياً إضافياً، وما إذا كانت ضغوط الأسعار ستمنح مجلس الاحتياطي مبرراً لزيادة تكلفة الاقتراض مرة أخرى.
أسعار الذهب
وانخفض الذهب فـي المعامـلات الفـوريــة 0.2 % إلى 4421.04 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 08:35 بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بالنسبة نفسها إلى 4466.90 دولاراً، وسط أحجام تداول ضعيفة نسبياً بسبب عطلة رسمية في الولايات المتحدة.
ويأتي التراجع بعدما أدت بيانات الوظائف القوية إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية، وهو عامل عادة ما يضغط على الذهب الذي لا يقدم عائداً، إذ تصبح الأصول المدرة للفائدة أكثر جاذبية للمستثمرين كلما ارتفعت توقعات أسعار الفائدة أو عوائد أدوات الدين الحكومية.
وقال أولي هانسن، مدير أبحاث السلع الأولية لدى «ساكسو بنك»، إن الذهب والفضة تحركا في الاتجاه المعاكس لأسعار الطاقة، وواصلا خسائرهما بعدما دفع تقرير الوظائف الأميركي القوي عوائد السندات إلى الصعود، وعزز توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر يوم 16 سبتمبر.
وتعكس تحركات المعدن النفيس حساسية السوق المتزايدة للبيانات الاقتصادية الأميركية، بعدما أصبحت مؤشرات التوظيف والتضخم العاملين الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع استمرار الجدل بشأن مدى الحاجة إلى مزيد من التشديد.
وظائف قوية
وأظهرت البيانات الصادرة يوم الجمعة تسارع نمو الوظائف في الولايات المتحدة بقوة خلال أغسطس، بينمـا استقـر معـدل البطـالـة عند 4.1 %، في إشارة إلى استمرار متانة سوق العمل رغم المستويات المرتفعة لأسعار الفائدة.
وتمنح قوة التوظيف مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لمواصلة مواجهة التضخم من دون القلق بصورة فورية من تدهور حاد في سوق العمل، وهو ما دفع المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على رفع الفائدة خلال اجتماع البنك المركزي المقبل. ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي»، يقدر المتعاملون احتمال رفع مجلس الاحتياطي أسعار الفائدة في اجتماعه يومي 15 و16 سبتمبر بنحو 58 %، ما يعني أن السوق أصبحت تميل إلى سيناريو التشديد، وإن لم تحسمه بصورة كاملة.
ويشكل ارتفاع الفائدة عادة ضغطاً على أسعار الذهب من خلال قناتين رئيسيتين، إذ يرفع عوائد الأصول المنافسة مثل السندات، كما قد يدعم الدولار الأميركي، الأمر الذي يجعل شراء المعدن المقوم بالعملة الأميركية أكثر تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.
وفي المقابل، فإن أي تحول مفاجئ في توقعات السياسة النقدية أو ظهور مؤشرات على ضعف اقتصادي قد يعيد بعض الدعم إلى الذهب، خصوصاً أن المعدن يظل ملاذاً تقليدياً في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
اختبار التضخم
وتتحول الأنظار الآن من سوق العمل إلى بيانات الأسعار، إذ من المقرر صدور تقرير تضخم أسعار المنتجين في الولايات المتحدة يوم الخميس، علـى أن يتبعه تقريـر مـؤشــر أسعار المستهلكين يوم الجمعة، وهما من أهم البيانات التي سيستخدمها المستثمرون لتقييم مسار الفائدة قبل اجتماع مجلس الاحتياطي.
وإذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع، فمن المرجح أن تتعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة، ما قد يفرض مزيداً من الضغوط على الذهب والفضة، بينما قد تؤدي قراءة أكثر اعتدالاً إلى تراجع رهانات التشديد وتمنح المعادن النفيسة فرصة لاستعادة جزء من خسائرها.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الجدل السياسي بشأن السياسة النقدية، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الجمعة إنه سيوقف التعامل التجاري مع الدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزاً تجارياً معها ما لم يخفض مجلس الاحتياطي أسعار الفائدة، ما أضاف بعداً سياسياً جديداً إلى النقاش الدائر حول توجهات البنك المركزي.
وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية 0.2 % إلى نحو 66.06 دولاراً، متأثرة بالعوامل نفسها التي ضغطت على الذهب، وفي مقدمتها ارتفاع العوائد وتزايد توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
الذهب ينتظر إشارة التضخم
وتدخل سوق الذهب أياماً حاسمة مع اقتراب موعد اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ أصبحت حركة الأسعار مرتبطة بصورة مباشرة بأي تغير في توقعات الفائدة، فيما قد تحدد بيانات التضخم المرتقبة ما إذا كانت احتمالات الزيادة الحالية البالغة 58 % ستتحول إلى السيناريو المهيمن لدى المستثمرين.
وفي حال أكدت مؤشرات أسعار المنتجين والمستهلكين استمرار الضغوط التضخمية بالتزامن مع قوة سوق العمل، فقد تزداد الضغوط على المعدن النفيس مع ارتفاع احتمالات التشديد النقدي، أما تباطؤ التضخم فقد يعيد فتح الباب أمام استقرار الفائدة ويوفر دعماً للأسعار.
وبذلك يبقى الذهب عالقاً بين طلب تقليدي على الملاذات الآمنة من جهة، وعوائد مرتفعة وتوقعات متشددة للسياسة النقدية من جهة أخرى، لتصبح بيانات التضخم الأميركية المحطة الأهم في تحديد اتجاه المعدن خلال الأيام المقبلة قبل قرار مجلس الاحتياطي في منتصف سبتمبر.