الذهب يتراجع مع صعود رهانات الفائدة
مع انطلاق النصف الثاني من عام 2026، يواصل الذهب خسارة بريقه في الأسواق العالمية، بعدما هبط إلى أدنى مستوياته في سبعة أشهر، متأثراً بمزيج من العوامل الاقتصادية والمالية التي دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية الأميركية، في وقت ارتفعت فيه عوائد سندات الخزانة الأميركية، وتعززت قوة الدولار، وازدادت رهانات الأسواق على استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تشديد سياسته النقدية.
ويأتي هذا التراجع بعد أسابيع من الضغوط المتواصلة على المعدن الأصفر، الذي سجل أكبر خسارة فصلية له منذ عام 2013، كما أنهى يونيو على انخفاض للشهر الرابع على التوالي، في إشارة إلى التحول الواضح في توجهات المستثمرين بعيداً عن الأصول التي لا تدر عائداً، لصالح أدوات استثمارية أصبحت أكثر جاذبية مع ارتفاع أسعار الفائدة.
هبوط الأسعار
في تعاملات الأربعاء، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.7% إلى 3979.41 دولاراً للأونصة، بعدما كان قد لامس خلال الجلسة السابقة مستوى 3942.99 دولاراً، وهو الأدنى منذ نوفمبر الماضي. كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 1.1 % إلى 3992.70 دولاراً للأونصة.
ويرى محللون أن هذا الهبوط لا يعكس ضعف الطلب على الذهب بقدر ما يعكس تغيراً في البيئة الاستثمارية العالمية، إذ أصبحت أسعار الفائدة المرتفعة وعوائد السندات تشكل منافساً قوياً للمعدن النفيس، الذي لا يوفر عائداً دورياً لحائزيه.
عوائد مرتفعة
ويعد ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب خلال الفترة الحالية، إذ يؤدي ارتفاع العائد إلى زيادة جاذبية الاستثمار في السندات مقارنة بالذهب، ما يدفع جزءاً من رؤوس الأموال إلى الخروج من المعدن الأصفر.
ويشير خبراء الأسواق إلى أن العلاقة العكسية بين الذهب وعوائد السندات تعد من أكثر العلاقات استقراراً في الأسواق المالية، إذ غالباً ما يتراجع الذهب كلما ارتفعت العوائد الحقيقية، خاصة عندما يكون الارتفاع مدفوعاً بتوقعات تشديد السياسة النقدية.
رهانات الفيدرالي
وتتجه أنظار المستثمرين حالياً إلى السياسة النقدية الأميركية، بعدما ارتفعت التوقعات بأن يقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال اجتماعه المرتقب في سبتمبر.
وتشير تقديرات الأسواق إلى أن احتمالات رفع الفائـدة بلغت نحـو 67 %، وهو ما يعكس اقتناع المستثمرين بأن معركة البنك المركزي الأميركي ضد التضخم لم تنته بعد، وأن أسعار الفائدة قد تبقى مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً في وقت سابق.
ويقول محللون إن أي مؤشرات إضافية على استمرار الضغوط التضخمية ستدفع الفيدرالي إلى مواصلة التشديد النقدي، وهو ما سيبقي الضغوط قائمة على أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة.
بيانات مرتقبة
وتترقب الأسواق صدور بيانات التوظيف الأميركية، بدءاً من تقرير وظائف القطاع الخاص الصادر عن مؤسسة «إيه دي بي»، يليه تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي يعد أحد أهم المؤشرات الاقتصادية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم أوضاع سوق العمل.
وتكتسب هذه البيانات أهمية كبيرة، لأنها قد تعيد رسم توقعات أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، ففي حال جاءت الأرقام أقوى من المتوقع، فإنها ستعزز احتمالات استمرار التشديد النقدي، أما إذا أظهرت تباطؤاً في سوق العمل فقد تدعم توقعات خفض الفائدة مستقبلاً، وهو ما قد يمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من خسائره.
المعادن النفيسة
ولم تقتصر موجة التراجع على الذهب وحده، بل امتدت إلى معظم المعادن النفيسة، حيث انخفضت الفضة بنسبة 1.4 % لتصل إلى 57.75 دولاراً للأونصة، كما تراجع البلاتين بنسبة 0.6 % إلى 1542 دولاراً، مسجلاً أدنى مستوياته منذ نوفمبر الماضي.
كـذلك هبط البلاديـوم بنسبــة 0.4 % إلى 1199.34 دولاراً للأونصة، في انعكاس واضح لحالة الحذر التي تسيطر على المستثمرين تجاه قطاع المعادن النفيسة بأكمله.
الذهب تحت الضغط لفترة أطول
ويرى مراقبون أن مستقبل الذهب خلال الأشهر المقبلة سيظل مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في مسار التضخم الأميركي، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، واتجاه عوائد سندات الخزانة. وفي حال استمرت هذه العوامل في الاتجاه الحالي، فقد يبقى الذهب تحت ضغط لفترة أطول.
ومع ذلك، لا يستبعد خبراء الأسواق أن يستعيد المعدن الأصفر جزءاً من جاذبيته إذا بدأت مؤشرات التضخم بالتراجع أو ظهرت إشارات على تباطؤ الاقتصاد الأميركي، بما يدفع الفيدرالي إلى تخفيف سياسته النقدية مستقبلاً.
وبين ضغوط الفائدة، وقوة الدولار، وترقب البيانات الاقتصادية، يمر الذهب بإحدى أكثر مراحله حساسية خلال السنوات الأخيرة، فيما تبقى تحركاته رهناً بالرسائل التي ستصدر عن الاقتصاد الأميركي والبنك المركزي، والتي ستحدد إلى حد كبير اتجاه المعدن النفيس خلال ما تبقى من عام 2026.
المسار خلال المرحلة المقبلة
وعلى الرغم من أن الذهب يُعرف تاريخياً بأنه أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن تحركاته خلال الفترة الحالية باتت تخضع بدرجة أكبر لتوقعات السياسة النقدية الأميركية. فارتفاع أسعار الفائدة يزيد من جاذبية السندات والأدوات المالية المدرة للعائد مقارنة بالذهب، الذي لا يوفر لحائزيه عائداً دورياً، كما أن قوة الدولار ترفع تكلفة شراء المعدن النفيس بالنسبة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، ما يحد من الطلب العالمي عليه ويزيد الضغوط على أسعاره. لذلك يترقب المتعاملون عن كثب بيانات التضخم وسوق العمل الأميركية، باعتبارها العامل الأبرز في تحديد مسار الذهب خلال المرحلة المقبلة.
ملاذ آمن
ورغم موجة التراجعات الأخيرة، لا يزال الذهب يحافظ على مكانته كأحد أهم أدوات التحوط في الأسواق العالمية، إذ يلجأ إليه المستثمرون عادة خلال فترات الأزمات المالية والجيوسياسية. إلا أن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار قلصا جاذبية المعدن الأصفر في المرحلة الحالية، ما دفع العديد من المستثمريـن إلى تفضيل الأصول المدرة للعائد. ويرى محللون أن استعادة الذهب لزخمه ستظل مرتبطة بتراجع الضغوط التضخمية أو ظهور مؤشرات تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أقل تشدداً خلال الفترة المقبلة.