الذهب يتراجع.. والفائدة تكبح بريق المعدن الأصفر
تراجعت أسعار الذهب في تعاملات الاثنين، مع إعادة المستثمرين تقييم المشهد في الشرق الأوسط وانعكاسات الحرب على التضخم العالمي ومسار أسعار الفائدة، في وقت تتجاذب فيه المعدن الأصفر قوتان متعارضتان؛ المخاطر الجيوسياسية التي تعزز عادة الطلب على الملاذات الآمنة، وارتفاع عوائد السندات والفائدة الذي يقلص جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.5 % إلى 4354.30 دولار للأوقية بحلول الساعة 06:48 بتوقيت غرينتش، بعدما لامس يوم الجمعة أعلى مستوى له في أسبوع، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.8 % إلى 4391.50 دولار.
وتأتي التحركات وسط استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، بعدما تبادل الجانبان تهديدات جديدة. وحذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أن إيران ستواجه مزيداً من الضغوط إذا لم تتوصل إلى اتفاق، فيما أكد الجيش الإيراني أنه سيرد بقوة على أي هجوم جديد، ما أبقى المخاطر الجيوسياسية حاضرة في حسابات المستثمرين.
ضغوط متعاكسة
ورغم أن تصاعد المخاطر السياسية والعسكرية يدعم الذهب عادة، فإن السوق تركز بصورة متزايدة على تأثير الحرب في أسعار الطاقة والتضخم، وبالتالي على توجهات البنوك المركزية الكبرى خلال المرحلة المقبلة.
وقال محلل الأسواق لدى «كيه.سي.إم تريد» تيم ووترر إن اهتمام المستثمرين لا يزال منصباً على الأوضاع الجيوسياسية وأسعار النفط ورد فعل عوائد السندات، موضحاً أن اكتساب الذهب زخماً ملموساً للصعود قد يحتاج إلى تراجع واضح في أسعار النفط أو عوائد السندات.
ويرى ووترر أن المعدن الأصفر قد يتحرك على المدى القريب داخل نطاق واسع يتراوح تقريباً بين 4200 و4580 دولاراً للأوقية، ما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق بين الطلب على الأمان ومخاطر استمرار التشديد النقدي.
وتؤثـر أسعــار النفط بصورة غير مباشرة في الذهب، إذ يؤدي ارتفاع الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو يزيد جاذبية السندات والأصول المدرة للعائد على حساب المعدن النفيس.
تشديد نقدي
وبات احتمال دخول الاقتصاد العالمي دورة جديدة من تشديد السياسة النقدية أكثر حضوراً في الأسواق، بعدما رفعت مجموعة من أكبر البنوك المركزية أسعار الفائدة وأشارت إلى احتمال الحاجة إلى خطوات إضافية لمواجهة موجة التضخم المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والحرب على إيران.
وكان بنك اليابان أحدث بنك مركزي كبير يشدد سياسته النقدية يوم الجمعة، بعدما رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في وقت سابق من الأسبوع الماضي، فيما سبقه البنك المركزي الأوروبي بخطوة مماثلة في الأسبوع الذي قبله.
وتضع هذه التحركات الذهب أمام معادلة غير معتادة نسبياً. فمن جهة، ينظر إلى المعدن تاريخياً باعتباره وسيلة للتحوط من التضخم واضطرابات الأسواق، وهو ما يوفر له دعماً في فترات عدم اليقين. ومن جهة أخرى، تؤدي الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة لحيازته، لأنه لا يمنح المستثمر دخلاً دورياً مثل السندات.
ولهذا أصبحت عوائد السندات، إلى جانب أسعار النفط والتطورات العسكرية، من أبرز المؤشرات التي يراقبها متعاملو الذهب لتحديد الاتجاه التالي للأسعار، خصوصاً بعد المستويات المرتفعة التي بلغها المعدن خلال الفترة الماضية.
دعم مستمر
ورغم الضغوط الناجمة عن تشديد السياسة النقدية، يرى محللون أن الذهب لا يزال يستند إلى عوامل طويلة الأجل يمكن أن تحد من تراجعاته. وقال محللو «ستاندرد تشارترد» في مذكرة إن المعدن يواصل الحصول على دعم قوي من طلب القطاع الرسمي، وإن العوامل الهيكلية الداعمة للأسعار لا تزال قائمة، حتى إذا أصبح الصعود أبطأ من السابق.
وفي المقابل، تراجعت أسعار النفط مع تنامي الآمال في إمكانية إحراز تقدم دبلوماسي خلال اجتماعات الأمم المتحدة هذا الأسبوع، إلى جانب ترقب المستثمرين تعافياً جزئياً في شحنات النفط السعودية. وقد يساعد استمرار هبوط الخام في تخفيف المخاوف التضخمية والضغط على عوائد السندات، وهو ما يمكن أن يوفر بدوره مساحة للذهب لاستعادة بعض الزخم.
وتبقى الأسواق، لذلك، أمام معادلة دقيقة خلال الأيام المقبلة؛ فأي تصعيد جديد في الشرق الأوسط يمكن أن يعيد الطلب على الذهب كملاذ آمن، بينما قد يؤدي استمرار التضخم وارتفاع الفائدة والعوائد إلى الحد من مكاسبه.
وفي سوق المعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية 0.3 % إلى 66.04 دولاراً للأوقية، وانخفض البلاتين 0.2 % إلى 1800.53 دولار، بينما خالف البلاديوم الاتجاه وصعد 0.8 % إلى 1313.15 دولار، في وقت تظل فيه تحركات أسواق المعادن مرتبطة بدرجة كبيرة باتجاهات الفائدة والطاقة والتطورات الجيوسياسية.