الديزل يلتهم عوائد المزارعين رغم غلاء الغذاء
عندما يقف المزارع في منتصف حقل ذرة ذهبي خلال ذروة حصاد الخريف، قد تبدو الصورة عنواناً للوفرة، بعد أشهر من العمل والانتظار، خصوصاً في وقت ترتفع فيه أسعار الغذاء. لكن خلف هذا المشهد تتشكل معادلة اقتصادية أكثر تعقيداً، إذ إن ارتفاع سعر المحصول لا يعني بالضرورة أن المزارع سيحقق أرباحاً أكبر.
فقبل الحصول على ثمن المحصول، تبدأ فاتورة الحصاد والنقل والتخزين، وفي مقدمتها الوقود. ومع ارتفاع أسعار الديزل، تلتهم هذه النفقات جزءاً متزايداً من إيرادات المزارع، وقد تصبح الزيادة في سعر بيع المحصول غير كافية لتعويض القفزة في تكاليف تشغيل الآلات ونقل الإنتاج.
وفي ولاية داكوتا الجنوبية الأميركية، يتوقع المزارع درو بيترسون أن تصل تكلفة تزويد آلة حصاد واحدة بالوقود إلى 1500 دولار يومياً هذا الموسم، أي ضعف ما كان ينفقه العام الماضي. وفي الطرف الآخر من السلسلة، يدفع المستهلك بدوره فاتورة أعلى، بعدما ارتفعت أسعار البقالة في الولايات المتحدة خلال أغسطس 2.2 % على أساس سنوي، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي.
وهكذا تتراكم بين الحقل وصندوق الدفع تكاليف الحصاد والنقل والتخزين والتصنيع والبيع، لتخلق مفارقة واضحة: الغذاء يصبح أغلى بالنسبة إلى المستهلك، بينما لا يحصل المزارع بالضرورة على عائد أكبر بعد خصم نفقاته.
حصاد مكلف
حين ينضج المحصول، لا يستطيع المزارع انتظار انخفاض أسعار الوقود، فالتأخر في الحصاد قد يعرض الإنتاج لخسائر مرتبطة بالطقس أو تراجع الجودة، ولذلك يجب تشغيل آلات الحصاد ونقل الإنتاج إلى الصوامع ومنشآت المعالجة والأسواق مهما بلغت تكلفة الديزل.
ومن الجرارات والحصادات الضخمة التي تجمع الذرة وفول الصويا والقمح، إلى الشاحنات الثقيلة التي تنقل الماشية والمحاصيل، يدخل الديزل في كل حلقة تقريباً من حلقات الإنتاج الزراعي.
وتستهلك الزراعة الأميركية أكثر من مليار غالون من وقود الديزل مباشرة داخل المزارع سنوياً، ما يجعل أي ارتفاع حاد في سعره ينتقل سريعاً إلى تكلفة الإنتاج.
وقالت الخبيرة الاقتصادية لدى اتحاد مكاتب المزارع الأميركية فيث باروم إن متوسط سعر الديزل الزراعي بلغ 5.45 دولار للغالون في الرابع من سبتمبر، مقارنة بـ3.02 دولار قبل عام، ما يعني زيادة تتجاوز 80 % خلال 12 شهراً.
ولا تقتصر المشكلة على الولايات المتحدة، ففي أستراليا، ومع اقتراب موسم حصاد الحبوب، قال رئيس اتحاد مزارعي ولاية فيكتوريا رايان ميلغيت إن أسعار الديزل التي يواجهها المزارعون بلغت نحو ضعف مستوياتها المسجلة قبل عام.
أزمة التكرير
ولا يقدم سعر النفط الخام وحده تفسيراً كاملاً لقفزة الديزل، فالنفط ليس سوى المادة الأولية، بينما يحتاج المزارع إلى وقود مكرر وجاهز لتشغيل معداته، وهو ما يجعل قدرة المصافي والمخزونات وشبكات التوزيع عوامل حاسمة في تحديد السعر النهائي.
وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مصافي الولايات المتحدة تنتج في المتوسط من برميل النفط، البالغة سعته 42 غالوناً، نحو 11 إلى 13 غالوناً من وقود التقطير الذي يباع معظمه كديزل، مقابل نحو 19 إلى 20 غالوناً من البنزين.
وبالتالي، فإن زيادة إمدادات الخام لا تعني زيادة مماثلة في كميات الديزل. فإذا تعطلت مصفاة أو تراجعت قدرتها التشغيلية أو تأخرت شحنات المنتجات المكررة، يمكن أن يرتفع سعر الديزل حتى في حال عدم تسجيل النفط زيادة مماثلة.
وظهر هذا الاختلال بوضوح في آسيا، حيث تجاوز هامش تكرير الديزل منخفض الكبريت 87 دولاراً للبرميل في 16 سبتمبر، مقارنة بنحو 22 دولاراً قبل اندلاع الحرب الأميركية على إيران أواخر فبراير.
ويعبر هذا الهامش عن الفارق بين سعر الديزل وسعر النفط الخام، ولا يمثل ربحاً صافياً للمصفاة، إذ يجب خصم تكاليف تحويل الخام إلى وقود. لكنه يعكس مدى ارتفاع قيمة الديزل مقارنة بمادته الأولية، ويفسر لماذا قد تبقى فاتورة المزارع مرتفعة حتى مع تراجع أسعار النفط.
أرباح متآكلة
قد ترتفع أسعار المحاصيل وتتحسن الإيرادات على الورق، لكن ذلك لا يضمن ارتفاع أرباح المزارع، لأن حصيلة البيع ليست سوى جانب واحد من المعادلة، بينما تحدد تكاليف الوقود والأسمدة والعمالة والنقل النتيجة النهائية للموسم.
وفي الولايات المتحدة، قدّر الخبير الاقتصادي جون نيوتن إيرادات محصول الذرة بنحو 857 دولاراً لكل فدان، بزيادة تتجاوز 50 دولاراً عن توقعات مايو. لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج أبقى المحاصيل الرئيسية، وفق تقديراته، دون مستوى تغطية إجمالي التكاليف خلال السنة التسويقية المقبلة.
وفي أوكرانيا، يتوقع الرئيس التنفيذي لشركة هارف إيست الزراعية دميترو سكورنياكوف ارتفاع متوسط تكاليف الإنتاج بين 20 و30 % على المدى القصير، في مؤشر إلى أن أزمة الطاقة تضغط على المنتجين في أسواق زراعية رئيسية أخرى.
وتصبح المشكلة أكثر حدة عندما تضطر المحاصيل إلى قطع مسافات طويلة. ففي البرازيل تعتمد حركة نقل مستلزمات الزراعة والمحاصيل بدرجة كبيرة على الشاحنات، خصوصاً في ولاية ماتو غروسو، إحدى أهم مناطق إنتاج فول الصويا.
وهنا يدفع المزارع ثمن الديزل مرتين تقريباً: عندما تصل إليه البذور والأسمدة والمستلزمات، وعندما يغادر محصوله المزرعة في طريقه إلى الموانئ والأسواق. لذلك فإن السعر المهم ليس فقط ما يحصل عليه عند البيع، وإنما ما يتبقى بعد إيصال المحصول إلى المشتري.
دولار الغذاء
تكشف رحلة دولار الغذاء بدورها المسافة الكبيرة بين ما يدفعه المستهلك وما يصل فعلياً إلى المنتج الزراعي، إذ تتوزع الفاتورة على التصنيع والنقل والتخزين وتجارة الجملة والتجزئة وخدمات الطعام وغيرها.
وتظهر بيانات وزارة الزراعة الأميركية لعام 2024 أن المزارع حصل على 18.5 سنت فقط من كل دولار أنفق على الأغذية المنتجة محلياً والمخصصة للاستهلاك في المنزل.
وعند إضافة الإنفاق على الطعام خارج المنزل، ينخفض نصيب المزارع إلى 11.8 سنت من كل دولار، بينما تذهب الحصة المتبقية إلى الأنشطة اللاحقة لخروج الغذاء من المزرعة.
وحتى هذه السنتات لا تمثل ربحاً صافياً، فمنها يدفع المزارع تكاليف الوقود والأسمدة والعمالة والمعدات وغيرها. ولهذا فإن ارتفاع فاتورة البقالة لا يعني تلقائياً أن المنتج الزراعي أصبح في وضع مالي أفضل.
ويشير المركز الاتحادي للمعلومات الزراعية في ألمانيا إلى أن قصر سلسلة التوريد وانخفاض درجة معالجة الغذاء يرفعان عادة حصة المزارع من السعر النهائي، لأن المنتجات الأكثر تصنيعاً تمر بمراحل إضافية تستحوذ كل منها على جزء من القيمة.
ضغط عالمي
ولا تتوزع آثار الديزل بالتساوي بين الدول، ففي الاقتصادات التي تعتمد بدرجة أكبر على الشاحنات لنقل المحاصيل لمسافات طويلة، تصبح أسعار الوقود عاملاً أكثر تأثيراً في القدرة التنافسية للمنتجين.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا يتوقف عند موسم الحصاد الحالي، إذ يدخل الوقود في تصنيع ونقل الأسمدة والبذور والمبيدات والمعدات. ولذلك يمكن لصدمة أسعار الديزل اليوم أن تظهر مجدداً في تكلفة زراعة الموسم التالي.
وهذا يعني أن أزمة الوقود يمكن أن تتحول من صدمة قصيرة الأجل أثناء الحصاد إلى ضغط يمتد عبر أكثر من دورة زراعية، خصوصاً إذا ظلت أسعار المنتجات المكررة مرتفعة لفترة طويلة.
فاتورة الغذاء تتأخر شهوراً
لا تصل زيادة تكلفة الحصاد والنقل إلى المستهلك فوراً، إذ قد يستغرق انتقالها عبر سلسلة الإمداد عدة أشهر. فالمتاجر قد تستوعب بعض الزيادات المؤقتة في هوامشها، كما يمكن لعقود النقل والتوريد المبرمة مسبقاً أن تؤخر انعكاس ارتفاع الديزل على أسعار الرفوف.
ويوضح الخبير الاقتصادي في جامعة ولاية ميشيغان ديفيد أورتيغا أن تجار التجزئة قد يتحملون الارتفاعات المؤقتة، لكن استمرارها يزيد احتمالات انتقالها إلى المستهلك، خصوصاً في المنتجات التي تعتمد بصورة كبيرة على النقل المبرد، مثل اللحوم والألبان والفواكه والخضراوات.
ويحذر الخبير الاقتصادي في جامعة إلينوي نيك بولسون من أن غلاء الديزل يمكن أن يرفع أيضاً تكلفة البذور والأسمدة خلال العام المقبل، ما يعني أن تأثير الصدمة الحالية قد يمتد إلى موسم زراعي جديد.
وهنا تظهر المفارقة الأوسع في الاقتصاد الغذائي: يمكن للمستهلك أن يدفع أكثر مقابل طعامه، في الوقت الذي تتقلص فيه أرباح المزارع الذي أنتجه. فارتفاع أسعار الطاقة يتسلل إلى معظم الحلقات الواقعة بين الطرفين، ويقتطع جزءاً من القيمة قبل أن تصل إلى المنتج.
وبالنسبة إلى المزارع الذي يقف وسط حقله في موسم الحصاد، لم يعد السؤال فقط عن السعر الذي سيحصل عليه مقابل الذرة أو القمح أو فول الصويا، وإنما عن المبلغ الذي سيبقى بعد دفع تكلفة تشغيل الحصادات ونقل المحصول وشراء مستلزمات الموسم المقبل، ومن هنا تصبح استدامة الإنتاج مرتبطة بما يتبقى في جيب من يزرع الغذاء، لا بما يدفعه المستهلك عند صندوق المتجر فقط.