تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الديزل‭ ‬يلتهم‭ ‬عوائد‭ ‬المزارعين‭ ‬رغم‭ ‬غلاء‭ ‬الغذاء

الديزل‭ ‬يلتهم‭ ‬عوائد‭ ‬المزارعين‭ ‬رغم‭ ‬غلاء‭ ‬الغذاء

عندما‭ ‬يقف‭ ‬المزارع‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬حقل‭ ‬ذرة‭ ‬ذهبي‭ ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬حصاد‭ ‬الخريف،‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬عنواناً‭ ‬للوفرة،‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والانتظار،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭. ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬تتشكل‭ ‬معادلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬المحصول‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬المزارع‭ ‬سيحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬أكبر‭.‬
فقبل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ثمن‭ ‬المحصول،‭ ‬تبدأ‭ ‬فاتورة‭ ‬الحصاد‭ ‬والنقل‭ ‬والتخزين،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الوقود‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الديزل،‭ ‬تلتهم‭ ‬هذه‭ ‬النفقات‭ ‬جزءاً‭ ‬متزايداً‭ ‬من‭ ‬إيرادات‭ ‬المزارع،‭ ‬وقد‭ ‬تصبح‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬بيع‭ ‬المحصول‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لتعويض‭ ‬القفزة‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬تشغيل‭ ‬الآلات‭ ‬ونقل‭ ‬الإنتاج‭.‬
وفي‭ ‬ولاية‭ ‬داكوتا‭ ‬الجنوبية‭ ‬الأميركية،‭ ‬يتوقع‭ ‬المزارع‭ ‬درو‭ ‬بيترسون‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬تكلفة‭ ‬تزويد‭ ‬آلة‭ ‬حصاد‭ ‬واحدة‭ ‬بالوقود‭ ‬إلى‭ ‬1500‭ ‬دولار‭ ‬يومياً‭ ‬هذا‭ ‬الموسم،‭ ‬أي‭ ‬ضعف‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينفقه‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭. ‬وفي‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬السلسلة،‭ ‬يدفع‭ ‬المستهلك‭ ‬بدوره‭ ‬فاتورة‭ ‬أعلى،‭ ‬بعدما‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬البقالة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬أغسطس‭ ‬2‭.‬2‭ % ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬مكتب‭ ‬إحصاءات‭ ‬العمل‭ ‬الأميركي‭.‬
وهكذا‭ ‬تتراكم‭ ‬بين‭ ‬الحقل‭ ‬وصندوق‭ ‬الدفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الحصاد‭ ‬والنقل‭ ‬والتخزين‭ ‬والتصنيع‭ ‬والبيع،‭ ‬لتخلق‭ ‬مفارقة‭ ‬واضحة‭: ‬الغذاء‭ ‬يصبح‭ ‬أغلى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬المزارع‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬عائد‭ ‬أكبر‭ ‬بعد‭ ‬خصم‭ ‬نفقاته‭.‬

حصاد‭ ‬مكلف
حين‭ ‬ينضج‭ ‬المحصول،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬المزارع‭ ‬انتظار‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬فالتأخر‭ ‬في‭ ‬الحصاد‭ ‬قد‭ ‬يعرض‭ ‬الإنتاج‭ ‬لخسائر‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالطقس‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬الجودة،‭ ‬ولذلك‭ ‬يجب‭ ‬تشغيل‭ ‬آلات‭ ‬الحصاد‭ ‬ونقل‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬الصوامع‭ ‬ومنشآت‭ ‬المعالجة‭ ‬والأسواق‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬تكلفة‭ ‬الديزل‭.‬
ومن‭ ‬الجرارات‭ ‬والحصادات‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬الذرة‭ ‬وفول‭ ‬الصويا‭ ‬والقمح،‭ ‬إلى‭ ‬الشاحنات‭ ‬الثقيلة‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬الماشية‭ ‬والمحاصيل،‭ ‬يدخل‭ ‬الديزل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حلقة‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭.‬
وتستهلك‭ ‬الزراعة‭ ‬الأميركية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬غالون‭ ‬من‭ ‬وقود‭ ‬الديزل‭ ‬مباشرة‭ ‬داخل‭ ‬المزارع‭ ‬سنوياً،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬سعره‭ ‬ينتقل‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬تكلفة‭ ‬الإنتاج‭.‬
وقالت‭ ‬الخبيرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لدى‭ ‬اتحاد‭ ‬مكاتب‭ ‬المزارع‭ ‬الأميركية‭ ‬فيث‭ ‬باروم‭ ‬إن‭ ‬متوسط‭ ‬سعر‭ ‬الديزل‭ ‬الزراعي‭ ‬بلغ‭ ‬5‭.‬45‭ ‬دولار‭ ‬للغالون‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬سبتمبر،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ3‭.‬02‭ ‬دولار‭ ‬قبل‭ ‬عام،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬زيادة‭ ‬تتجاوز‭ ‬80‭ % ‬خلال‭ ‬12‭ ‬شهراً‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬المشكلة‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ففي‭ ‬أستراليا،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موسم‭ ‬حصاد‭ ‬الحبوب،‭ ‬قال‭ ‬رئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬مزارعي‭ ‬ولاية‭ ‬فيكتوريا‭ ‬رايان‭ ‬ميلغيت‭ ‬إن‭ ‬أسعار‭ ‬الديزل‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬المزارعون‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬ضعف‭ ‬مستوياتها‭ ‬المسجلة‭ ‬قبل‭ ‬عام‭.‬

أزمة‭ ‬التكرير
ولا‭ ‬يقدم‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬وحده‭ ‬تفسيراً‭ ‬كاملاً‭ ‬لقفزة‭ ‬الديزل،‭ ‬فالنفط‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬المادة‭ ‬الأولية،‭ ‬بينما‭ ‬يحتاج‭ ‬المزارع‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭ ‬مكرر‭ ‬وجاهز‭ ‬لتشغيل‭ ‬معداته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬قدرة‭ ‬المصافي‭ ‬والمخزونات‭ ‬وشبكات‭ ‬التوزيع‭ ‬عوامل‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬السعر‭ ‬النهائي‭.‬
وتوضح‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭ ‬أن‭ ‬مصافي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تنتج‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬من‭ ‬برميل‭ ‬النفط،‭ ‬البالغة‭ ‬سعته‭ ‬42‭ ‬غالوناً،‭ ‬نحو‭ ‬11‭ ‬إلى‭ ‬13‭ ‬غالوناً‭ ‬من‭ ‬وقود‭ ‬التقطير‭ ‬الذي‭ ‬يباع‭ ‬معظمه‭ ‬كديزل،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬19‭ ‬إلى‭ ‬20‭ ‬غالوناً‭ ‬من‭ ‬البنزين‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬زيادة‭ ‬إمدادات‭ ‬الخام‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬زيادة‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬كميات‭ ‬الديزل‭. ‬فإذا‭ ‬تعطلت‭ ‬مصفاة‭ ‬أو‭ ‬تراجعت‭ ‬قدرتها‭ ‬التشغيلية‭ ‬أو‭ ‬تأخرت‭ ‬شحنات‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرتفع‭ ‬سعر‭ ‬الديزل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬تسجيل‭ ‬النفط‭ ‬زيادة‭ ‬مماثلة‭.‬
وظهر‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوز‭ ‬هامش‭ ‬تكرير‭ ‬الديزل‭ ‬منخفض‭ ‬الكبريت‭ ‬87‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬سبتمبر،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬22‭ ‬دولاراً‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬أواخر‭ ‬فبراير‭.‬
ويعبر‭ ‬هذا‭ ‬الهامش‭ ‬عن‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬سعر‭ ‬الديزل‭ ‬وسعر‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬ولا‭ ‬يمثل‭ ‬ربحاً‭ ‬صافياً‭ ‬للمصفاة،‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬خصم‭ ‬تكاليف‭ ‬تحويل‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭. ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الديزل‭ ‬مقارنة‭ ‬بمادته‭ ‬الأولية،‭ ‬ويفسر‭ ‬لماذا‭ ‬قد‭ ‬تبقى‭ ‬فاتورة‭ ‬المزارع‭ ‬مرتفعة‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭.‬

أرباح‭ ‬متآكلة
قد‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬المحاصيل‭ ‬وتتحسن‭ ‬الإيرادات‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أرباح‭ ‬المزارع،‭ ‬لأن‭ ‬حصيلة‭ ‬البيع‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬المعادلة،‭ ‬بينما‭ ‬تحدد‭ ‬تكاليف‭ ‬الوقود‭ ‬والأسمدة‭ ‬والعمالة‭ ‬والنقل‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬للموسم‭.‬
وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬قدّر‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬جون‭ ‬نيوتن‭ ‬إيرادات‭ ‬محصول‭ ‬الذرة‭ ‬بنحو‭ ‬857‭ ‬دولاراً‭ ‬لكل‭ ‬فدان،‭ ‬بزيادة‭ ‬تتجاوز‭ ‬50‭ ‬دولاراً‭ ‬عن‭ ‬توقعات‭ ‬مايو‭. ‬لكن‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬أبقى‭ ‬المحاصيل‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وفق‭ ‬تقديراته،‭ ‬دون‭ ‬مستوى‭ ‬تغطية‭ ‬إجمالي‭ ‬التكاليف‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬التسويقية‭ ‬المقبلة‭.‬
وفي‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬يتوقع‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ ‬هارف‭ ‬إيست‭ ‬الزراعية‭ ‬دميترو‭ ‬سكورنياكوف‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و30‭ % ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬المنتجين‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬زراعية‭ ‬رئيسية‭ ‬أخرى‭.‬
وتصبح‭ ‬المشكلة‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬عندما‭ ‬تضطر‭ ‬المحاصيل‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬مسافات‭ ‬طويلة‭. ‬ففي‭ ‬البرازيل‭ ‬تعتمد‭ ‬حركة‭ ‬نقل‭ ‬مستلزمات‭ ‬الزراعة‭ ‬والمحاصيل‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الشاحنات،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬ماتو‭ ‬غروسو،‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬مناطق‭ ‬إنتاج‭ ‬فول‭ ‬الصويا‭.‬
وهنا‭ ‬يدفع‭ ‬المزارع‭ ‬ثمن‭ ‬الديزل‭ ‬مرتين‭ ‬تقريباً‭: ‬عندما‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬البذور‭ ‬والأسمدة‭ ‬والمستلزمات،‭ ‬وعندما‭ ‬يغادر‭ ‬محصوله‭ ‬المزرعة‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬الموانئ‭ ‬والأسواق‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬السعر‭ ‬المهم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬عند‭ ‬البيع،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬يتبقى‭ ‬بعد‭ ‬إيصال‭ ‬المحصول‭ ‬إلى‭ ‬المشتري‭.‬

دولار‭ ‬الغذاء
تكشف‭ ‬رحلة‭ ‬دولار‭ ‬الغذاء‭ ‬بدورها‭ ‬المسافة‭ ‬الكبيرة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬المستهلك‭ ‬وما‭ ‬يصل‭ ‬فعلياً‭ ‬إلى‭ ‬المنتج‭ ‬الزراعي،‭ ‬إذ‭ ‬تتوزع‭ ‬الفاتورة‭ ‬على‭ ‬التصنيع‭ ‬والنقل‭ ‬والتخزين‭ ‬وتجارة‭ ‬الجملة‭ ‬والتجزئة‭ ‬وخدمات‭ ‬الطعام‭ ‬وغيرها‭.‬
وتظهر‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬الزراعة‭ ‬الأميركية‭ ‬لعام‭ ‬2024‭ ‬أن‭ ‬المزارع‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬18‭.‬5‭ ‬سنت‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬دولار‭ ‬أنفق‭ ‬على‭ ‬الأغذية‭ ‬المنتجة‭ ‬محلياً‭ ‬والمخصصة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬في‭ ‬المنزل‭.‬
وعند‭ ‬إضافة‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الطعام‭ ‬خارج‭ ‬المنزل،‭ ‬ينخفض‭ ‬نصيب‭ ‬المزارع‭ ‬إلى‭ ‬11‭.‬8‭ ‬سنت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬دولار،‭ ‬بينما‭ ‬تذهب‭ ‬الحصة‭ ‬المتبقية‭ ‬إلى‭ ‬الأنشطة‭ ‬اللاحقة‭ ‬لخروج‭ ‬الغذاء‭ ‬من‭ ‬المزرعة‭.‬
وحتى‭ ‬هذه‭ ‬السنتات‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬ربحاً‭ ‬صافياً،‭ ‬فمنها‭ ‬يدفع‭ ‬المزارع‭ ‬تكاليف‭ ‬الوقود‭ ‬والأسمدة‭ ‬والعمالة‭ ‬والمعدات‭ ‬وغيرها‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬فاتورة‭ ‬البقالة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تلقائياً‭ ‬أن‭ ‬المنتج‭ ‬الزراعي‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬مالي‭ ‬أفضل‭.‬
ويشير‭ ‬المركز‭ ‬الاتحادي‭ ‬للمعلومات‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قصر‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد‭ ‬وانخفاض‭ ‬درجة‭ ‬معالجة‭ ‬الغذاء‭ ‬يرفعان‭ ‬عادة‭ ‬حصة‭ ‬المزارع‭ ‬من‭ ‬السعر‭ ‬النهائي،‭ ‬لأن‭ ‬المنتجات‭ ‬الأكثر‭ ‬تصنيعاً‭ ‬تمر‭ ‬بمراحل‭ ‬إضافية‭ ‬تستحوذ‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القيمة‭.‬

ضغط‭ ‬عالمي
ولا‭ ‬تتوزع‭ ‬آثار‭ ‬الديزل‭ ‬بالتساوي‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬ففي‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الشاحنات‭ ‬لنقل‭ ‬المحاصيل‭ ‬لمسافات‭ ‬طويلة،‭ ‬تصبح‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬عاملاً‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للمنتجين‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬الحالي،‭ ‬إذ‭ ‬يدخل‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬ونقل‭ ‬الأسمدة‭ ‬والبذور‭ ‬والمبيدات‭ ‬والمعدات‭. ‬ولذلك‭ ‬يمكن‭ ‬لصدمة‭ ‬أسعار‭ ‬الديزل‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬مجدداً‭ ‬في‭ ‬تكلفة‭ ‬زراعة‭ ‬الموسم‭ ‬التالي‭.‬
وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الوقود‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬صدمة‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬أثناء‭ ‬الحصاد‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬يمتد‭ ‬عبر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬زراعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭.‬

فاتورة‭ ‬الغذاء‭ ‬تتأخر‭ ‬شهوراً
لا‭ ‬تصل‭ ‬زيادة‭ ‬تكلفة‭ ‬الحصاد‭ ‬والنقل‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬فوراً،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يستغرق‭ ‬انتقالها‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬الإمداد‭ ‬عدة‭ ‬أشهر‭. ‬فالمتاجر‭ ‬قد‭ ‬تستوعب‭ ‬بعض‭ ‬الزيادات‭ ‬المؤقتة‭ ‬في‭ ‬هوامشها،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬لعقود‭ ‬النقل‭ ‬والتوريد‭ ‬المبرمة‭ ‬مسبقاً‭ ‬أن‭ ‬تؤخر‭ ‬انعكاس‭ ‬ارتفاع‭ ‬الديزل‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الرفوف‭.‬
ويوضح‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ولاية‭ ‬ميشيغان‭ ‬ديفيد‭ ‬أورتيغا‭ ‬أن‭ ‬تجار‭ ‬التجزئة‭ ‬قد‭ ‬يتحملون‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المؤقتة،‭ ‬لكن‭ ‬استمرارها‭ ‬يزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬انتقالها‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬النقل‭ ‬المبرد،‭ ‬مثل‭ ‬اللحوم‭ ‬والألبان‭ ‬والفواكه‭ ‬والخضراوات‭.‬
ويحذر‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬إلينوي‭ ‬نيك‭ ‬بولسون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬غلاء‭ ‬الديزل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬أيضاً‭ ‬تكلفة‭ ‬البذور‭ ‬والأسمدة‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬الصدمة‭ ‬الحالية‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬موسم‭ ‬زراعي‭ ‬جديد‭.‬
وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬الأوسع‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الغذائي‭: ‬يمكن‭ ‬للمستهلك‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬أكثر‭ ‬مقابل‭ ‬طعامه،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتقلص‭ ‬فيه‭ ‬أرباح‭ ‬المزارع‭ ‬الذي‭ ‬أنتجه‭. ‬فارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬معظم‭ ‬الحلقات‭ ‬الواقعة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬ويقتطع‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المنتج‭.‬
وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المزارع‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬وسط‭ ‬حقله‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬السعر‭ ‬الذي‭ ‬سيحصل‭ ‬عليه‭ ‬مقابل‭ ‬الذرة‭ ‬أو‭ ‬القمح‭ ‬أو‭ ‬فول‭ ‬الصويا،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬سيبقى‭ ‬بعد‭ ‬دفع‭ ‬تكلفة‭ ‬تشغيل‭ ‬الحصادات‭ ‬ونقل‭ ‬المحصول‭ ‬وشراء‭ ‬مستلزمات‭ ‬الموسم‭ ‬المقبل،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬استدامة‭ ‬الإنتاج‭ ‬مرتبطة‭ ‬بما‭ ‬يتبقى‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬من‭ ‬يزرع‭ ‬الغذاء،‭ ‬لا‭ ‬بما‭ ‬يدفعه‭ ‬المستهلك‭ ‬عند‭ ‬صندوق‭ ‬المتجر‭ ‬فقط‭.‬

رجوع لأعلى