الذهب يتماسك فوق 4300 دولار
استقرت أسعار الذهب العالمية خلال تعاملات الثلاثاء بعد سلسلة من التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق خلال الأسابيع الماضية، حيث وجد المستثمرون أنفسهم أمام مجموعة معقدة من العوامل المتعارضة التي حالت دون تشكل اتجاه واضح للأسعار.
فمن جهة، ساهم الإعلان عن وقف تبادل الهجمات بين إيران وإسرائيل في تخفيف جانب من المخاوف الجيوسياسية التي كانت تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة. ومن جهة أخرى، لا تزال الشكوك قائمة بشأن قدرة هذه التهدئة على الاستمرار، الأمر الذي أبقى جزءاً من الطلب الدفاعي على الذهب حاضراً في الأسواق.
واستقر الذهب في المعاملات الفورية عند مستوى 4328.39 دولاراً للأوقية، بعدما سجل خلال الجلسة السابقة أدنى مستوياته منذ أكثر من شهرين. كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطس بصورة محدودة بلغت 0.3 % لتصل إلى 4352.30 دولار للأوقية.
ويعكس هذا الأداء حالة التوازن المؤقت بين عوامل الدعم وعوامل الضغط، حيث ينتظر المستثمرون إشارات أكثر وضوحاً قبل اتخاذ مراكز استثمارية جديدة.
الشرق الأوسط
رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، فإن الأسواق لم تتعامل مع التطور باعتباره نهاية للمخاطر الجيوسياسية في المنطقة. فالمستثمرون يدركون أن التهدئة الحالية لا تزال هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة إذا عادت المواجهات العسكرية أو توسعت دائرة الصراع الإقليمي.
وتاريخياً، يمثل الذهب أحد أبرز المستفيدين من حالات عدم اليقين السياسي والعسكري، إذ يلجأ المستثمرون إليه لحماية رؤوس أموالهم خلال فترات الأزمات. ولذلك فإن أي تراجع في حدة التوترات ينعكس عادة على انخفاض الطلب الاستثماري قصير الأجل على المعدن النفيس.
لكن في المقابل، فإن استمرار التهديدات المتبادلة والتصريحات العسكرية الحادة يمنع الأسواق من التخلي بالكامل عن الذهب باعتباره أداة تحوط استراتيجية. ولهذا السبب لم تشهد الأسعار هبوطاً حاداً رغم التحسن النسبي في المشهد الجيوسياسي.
كما أن المستثمرين يفضلون انتظار اختبار حقيقي لمدى استقرار الهدنة الحالية قبل إعادة تسعير المخاطر بصورة كاملة، وهو ما يفسر حالة الترقب المسيطرة على التداولات.
التضخم يترقب
أصبحت بيانات التضخم الأميركية الحدث الأكثر أهمية بالنسبة للأسواق العالمية خلال الوقت الراهن، إذ ينظر إليها المستثمرون باعتبارها العامل القادر على تحديد اتجاه السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
ويترقب المستثمرون صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي لشهر مايو، والتي من المتوقع أن تقدم إشارات جديدة حول ما إذا كانت الضغوط التضخمية ما زالت قوية أم بدأت تتراجع تدريجياً.
وتكتسب هذه البيانات أهمية استثنائية لأن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يضع مكافحة التضخم في مقدمة أولوياته، ما يجعل أي مفاجآت في الأرقام قادرة على التأثير مباشرة في أسعار الفائدة والدولار والسندات والأسهم والذهب في الوقت نفسه.
وفي حال أظهرت البيانات استمرار الضغوط التضخمية، فقد تزداد رهانات الأسواق على تشديد السياسة النقدية، وهو ما قد يشكل ضغوطاً إضافية على الذهب. أما إذا تباطأ التضخم بصورة ملموسة، فقد يعود الحديث مجدداً عن تخفيف السياسة النقدية مستقبلاً، وهو سيناريو إيجابي للمعدن الأصفر.
الفائدة المرتفعة
تواجه أسعار الذهب حالياً واحدة من أصعب البيئات النقدية منذ سنوات، بعدما ارتفعت توقعات الأسواق لاحتمال رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
وتشير تقديرات المستثمرين إلى أن احتمال تنفيذ زيادة جديدة في أسعار الفائدة قبل نهاية العام تجاوز 70 %، وهو ما يعكس تغيراً ملحوظاً في نظرة الأسواق مقارنة بالفترات السابقة.
ويؤثر ارتفاع الفائدة سلباً على الذهب لأن المعدن لا يدر عائداً مالياً لحائزيه، ما يجعله أقل جاذبية مقارنة بالسندات والأدوات المالية الأخرى التي تستفيد من ارتفاع معدلات الفائدة.
كما يؤدي تشديد السياسة النقدية عادة إلى دعم الدولار الأميركي، وهو عامل إضافي يضغط على أسعار الذهب نظراً للعلاقة العكسية التقليدية بين الطرفين.
ورغم ذلك، أثبت الذهب خلال السنوات الأخيرة قدرة لافتة على الصمود أمام دورات التشديد النقدي، مدعوماً بعوامل أخرى مثل الطلب السيادي والمخاطر الجيوسياسية وعمليات التحوط من التضخم.
قوة الاقتصاد
زادت التوقعات الأخيرة الصادرة عن المؤسسات المالية الكبرى من تعقيد المشهد أمام المستثمرين. فقد أشارت تقديرات جديدة إلى أن الاقتصاد الأميركي ما زال يحتفظ بزخم قوي، سواء على مستوى النشاط الاقتصادي أو سوق العمل.
ويعني ذلك أن الضغوط التي كانت تدفع الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة أصبحت أقل إلحاحاً مما كانت عليه في السابق، خاصة مع استمرار النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات التوظيف.
وتدعم هذه المعطيات رؤية مفادها أن الفائدة المرتفعة قد تستمر لفترة أطول من المتوقع، وهو ما يفسر الحذر الذي يسيطر على أسواق الذهب حالياً.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار قوة الاقتصاد الأميركي يقلل من احتمالات حدوث ركود اقتصادي حاد، ما يخفف جزءاً من الطلب التقليدي على الذهب كملاذ آمن في مواجهة التباطؤ الاقتصادي.
دعم البنوك
على الرغم من جميع الضغوط السابقة، لا تزال البنوك المركزية حول العالم تمثل أحد أهم مصادر الدعم الاستراتيجية لسوق الذهب.
فخلال السنوات الأخيرة عززت العديد من البنوك المركزية احتياطياتها الذهبية بوتيرة غير مسبوقة، في إطار جهود تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، خصوصاً الدولار الأميركي.
وأصبح هذا الطلب الرسمي عاملاً أساسياً في دعم الأسعار، حيث يوفر للسوق قاعدة طلب مستقرة نسبياً لا تتأثر بالتقلبات اليومية أو التغيرات قصيرة الأجل في معنويات المستثمرين.
كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية والتغيرات في النظام المالي العالمي يدفع العديد من الدول إلى تعزيز حيازاتها من الذهب باعتباره أصلاً استراتيجياً طويل الأجل.
ويرى عدد من المحللين أن هذا العامل وحده قد يكون كافياً للحفاظ على مستويات الأسعار المرتفعة حتى في حال استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
المعادن الأخرى
لم تقتصر التحركات الإيجابية على الذهب وحده، إذ سجلت المعادن النفيسة الأخرى أداءً أفضل نسبياً خلال تعاملات الثلاثاء.
فقد ارتفعت الفضة بنسبة 0.3 % لتصل إلى 68.36 دولاراً للأوقية، مستفيدة من تحسن الطلب الصناعي واستمرار الاهتمام الاستثماري بها. كما صعد البلاتين بنسبة 0.4 % إلى 1761.53 دولاراً للأوقية.
أما البلاديوم فكان صاحب الأداء الأقوى بين المعادن الرئيسية، بعدما قفز بنحو 1.8 % ليصل إلى 1226.47 دولاراً للأوقية، مدعوماً بتوقعات تحسن الطلب الصناعي في عدد من القطاعات الرئيسية.
وتعكس هذه التحركات استمرار اهتمام المستثمرين بالمعادن النفيسة كفئة أصول استراتيجية، حتى في ظل التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.
ترقب الأسواق
في المحصلة، يقف الذهب حالياً عند نقطة توازن دقيقة بين مجموعة واسعة من العوامل المتناقضة. فالتوترات الجيوسياسية توفر دعماً للأسعار، بينما تشكل توقعات الفائدة المرتفعة عامل ضغط مستمر. كما تدعم مشتريات البنوك المركزية الاتجاه الصاعد طويل الأجل، في حين يفرض الدولار القوي وعوائد السندات المرتفعة تحديات إضافية أمام المعدن النفيس.
ولهذا السبب تبدو الأسواق في حالة انتظار وترقب لبيانات التضخم الأميركية، التي قد تحدد المسار التالي للذهب خلال الفترة المقبلة. وبينما يستمر التداول فوق مستوى 4300 دولار للأوقية، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين هو ما إذا كانت العوامل الداعمة ستنجح في دفع الأسعار نحو مستويات قياسية جديدة، أم أن السياسة النقدية الأميركية ستفرض مرحلة أطول من الاستقرار والتذبذب قبل أي موجة صعود جديدة.