الذهب يتمسك بحاجز 4000 دولار رغم الضغوط
يواجه الذهب مرحلة استثنائية تتداخل فيها عوامل الدعم الاستثماري مع الضغوط الاقتصادية، وسط توقعات باستمرار تماسك الأسعار فوق مستوى 4000 دولار للأونصة خلال العام الحالي، رغم التقلبات الناجمة عن بيانات التضخم الأميركية وتغير احتمالات السياسة النقدية، في وقت تبرز فيه أسعار النفط باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة في تحركات المعدن النفيس.
وقال رئيس التشغيل في شركة «سبائك»، محمد صلاح، إن السوق تشهد حالة من التجاذب بين قوى تمنع الأسعار من تسجيل تراجعات حادة، وأخرى تحد من قدرتها على تحقيق مستويات قياسية جديدة، مشيراً إلى أن المعدن أثبت خلال الأشهر الماضية امتلاكه قاعدة شراء قوية عند المستويات الحالية.
وأوضح صلاح، في مقابلة مع «العربية Business»، أن تكرار اختبار الحاجز النفسي الرئيسي دون كسره يعكس استمرار الطلب، لافتاً إلى أن المستثمرين يستغلون التراجعات لبناء مراكز جديدة، بينما تحد التطورات الاقتصادية العالمية من سرعة التعافي وتحقيق مكاسب إضافية.
قاعدة سعرية
أكد صلاح أن مستوى 4000 دولار تحول إلى نقطة ارتكاز فنية ونفسية مهمة، بعدما اختبرته الأسعار عدة مرات خلال الأشهر الماضية دون تسجيل اختراق هبوطي مستدام.
وأوضح أن هذه المنطقة تجذب المشترين كلما اقتربت التداولات منها، ما يعزز قدرة السوق على امتصاص الضغوط الناتجة عن البيانات الاقتصادية المفاجئة أو تغير توقعات المستثمرين.
وتستند قوة الطلب إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب التدفقات الاستثمارية نحو الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، فضلاً عن إقبال المستثمرين الباحثين عن أدوات للتحوط من المخاطر.
وأشار إلى أن هذه العوامل وفرت دعماً للأسعار رغم صدور بيانات تضخم أميركية قوية، كان من شأنها زيادة الضغوط على الأصول التي لا تدر عائداً. ولفت إلى أن صمود التداولات فوق 4100 دولار عقب صدور تلك البيانات يمثل مؤشراً على قدرة المعدن على استيعاب الأخبار السلبية، خصوصاً أن التراجعات الأخيرة كانت مؤقتة وأعقبها تحسن في الطلب. وتعكس هذه التحركات، وفق تقييمه، وجود مشترين مستعدين للدخول عند الانخفاضات، وهو ما يقلص احتمالات حدوث تصحيح عميق طالما استمرت التدفقات الداعمة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال السوق تواجه صعوبة في تجاوز مستويات مرتفعة جديدة، نتيجة استمرار حالة عدم اليقين بشأن المتغيرات الاقتصادية العالمية.
تأثير الطاقة
يرى صلاح أن أسعار النفط أصبحت أكثر تأثيراً في تحركات الذهب قصيرة الأجل مقارنة بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بعدما نجح المعدن في استيعاب معظم التطورات المرتبطة بالتضخم وسوق العمل وتوقعات الفائدة.
وأوضح أن الارتفاعات الكبيرة في أسعار الخام تمثل تحدياً رئيسياً للأسواق، نظراً إلى ارتباطها بتوقعات التضخم واتجاهات السياسة النقدية وتكاليف النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، اعتبر أن استمرار الضغوط التضخمية يدعم جاذبية المعدن النفيس باعتباره إحدى أدوات الحفاظ على القيمة، خصوصاً لدى المستثمرين الذين يسعون إلى تنويع محافظهم.
وبشأن احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال 2026، أشار إلى أن الأسواق أخذت بالفعل هذه التوقعات في الحسبان عند تحديد الأسعار الحالية.
وأضاف أن أي قرار بالزيادة قد يؤدي إلى تقلبات محدودة تستمر لفترة قصيرة، دون أن يغير بالضرورة الاتجاه العام، في ظل استمرار العوامل الأساسية الداعمة للطلب.
وأوضح أن التفاعل مع قرارات الفيدرالي غالباً ما يظهر في صورة ضغوط تستمر يوماً أو يومين، قبل أن تستعيد التداولات توازنها تدريجياً.
واعتبر أن الجانب الأكثر حساسية حالياً يتمثل في حدوث ارتفاعات إضافية وكبيرة بأسعار الطاقة، قد تؤدي إلى زيادة التقلبات وتعقيد توقعات المستثمرين بشأن المسار المقبل.
وأكد أن تأثير السياسة النقدية أصبح أقل أهمية نسبياً من بعض المتغيرات الأخرى، بعدما استوعبت السوق جانباً كبيراً من السيناريوهات المحتملة.
آفاق الاستثمار
تمسك رئيس التشغيل في «سبائك» بتوقعاته الإيجابية طويلة الأجل، مستبعداً عودة الأسعار إلى ما دون 4000 دولار خلال العام الحالي، استناداً إلى قوة الطلب واستمرار مشتريات الجهات الاستثمارية والمؤسسات الرسمية.
وأشار إلى أن المستويات الراهنة قد تمثل فرصة للمستثمرين الراغبين في بناء مراكز طويلة الأجل، مع ضرورة التمييز بين التقلبات اليومية والعوامل الأساسية التي تحدد الاتجاه العام. وتوقع إمكانية تجاوز مستوى 4500 دولار بحلول 2027، بشرط استمرار العوامل الداعمة الحالية وعدم حدوث تغيرات جوهرية في ظروف السوق.
ويعكس هذا التقدير تفاؤلاً بقدرة المعدن على تحقيق مكاسب إضافية، لكنه يبقى توقعاً مشروطاً بالتطورات الاقتصادية وليس مستوى مضمون الوصول إليه.
مستقبل الأسعار تحكمه تدفقات الاستثمار
تشير تصريحات صلاح إلى أن السوق دخلت مرحلة تتطلب مراقبة مصادر الطلب الفعلي أكثر من التركيز على ردود الفعل المؤقتة للبيانات الأميركية، خصوصاً مع استمرار الدور المؤثر للمصارف المركزية والصناديق الاستثمارية.
وتبقى تحركات النفط عاملاً مهماً في تحديد قوة التقلبات المقبلة، بينما يشكل استمرار التداول فوق الحاجز النفسي الرئيسي اختباراً لمدى تماسك المشترين. وفي ظل هذه المعطيات، يرتبط تحقيق مستويات قياسية جديدة باستمرار التدفقات الداعمة وقدرة السوق على تجاوز الضغوط الخارجية، مع بقاء التوقعات الصعودية عرضة للتغير إذا تبدلت الظروف الاقتصادية.