الذهب يحافظ على بريقه في الاحتياطيات العالمية
في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق العالمية تحولات متسارعة بفعل التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية وتغير مسارات السياسة النقدية، يواصل الذهب ترسيخ مكانته كأحد أهم الأصول الاستراتيجية لدى البنوك المركزية حول العالم. فالمعدن الأصفر الذي ظل لعقود طويلة يمثل مخزناً للقيمة ووسيلة للتحوط من المخاطر، عاد خلال السنوات الأخيرة ليحتل موقعاً محورياً في استراتيجيات إدارة الاحتياطيات السيادية، مدفوعاً بتزايد حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي.
ورغم التوقعات التي تشير إلى احتمال تباطؤ وتيرة مشتريات البنوك المركزية خلال العام المقبل مقارنة بالمستويات القياسية التي شهدتها السنوات الأخيرة، فإن المؤشرات العامة تؤكد أن الطلب الرسمي على الذهب لا يزال قوياً، وأن المؤسسات النقدية الكبرى لا تنظر إلى التراجع المحتمل في الكميات المشتراة باعتباره تحولاً في الاتجاه، بل مجرد عودة تدريجية إلى مستويات أكثر استدامة بعد سنوات من الشراء المكثف.
وتعكس نتائج أحدث استطلاع لمجلس الذهب العالمي صورة واضحة عن استمرار الثقة المؤسسية في المعدن النفيس، حيث أظهرت البيانات أن نسبة قياسية من مديري الاحتياطيات يتوقعون زيادة حيازات مؤسساتهم من الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، في إشارة إلى أن الذهب لا يزال يمثل أحد أهم مكونات المحافظ الاحتياطية للبنوك المركزية.
ثقة متنامية
تكشف نتائج الاستطلاع السنوي الذي أجراه مجلس الذهب العالمي بين البنوك المركزية عن استمرار الاتجاه الصاعد في النظرة الإيجابية تجاه الذهب. فقد أبدى 45 % من مديري الاحتياطيات المشاركين توقعاتهم بأن تزيد مؤسساتهم حيازاتها من المعدن النفيس خلال العام المقبل، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ بدء هذا النوع من المسوحات.
ويعكس هذا الرقم اتجاهاً متصاعداً في التفكير الاستراتيجي لدى البنوك المركزية التي أصبحت تنظر إلى الذهب باعتباره أداة مهمة لتعزيز الاستقرار المالي وحماية الاحتياطيات من التقلبات التي قد تصيب العملات الرئيسية أو أسواق السندات.
كما أن ارتفاع النسبة مقارنة بالعام السابق يؤكد أن جاذبية الذهب لم تتراجع رغم التحركات السعرية الأخيرة أو التغيرات التي شهدتها أسواق الطاقة والعملات. بل على العكس، يبدو أن العديد من المؤسسات النقدية باتت تعتبر فترات التراجع السعري فرصاً مناسبة لتعزيز الاحتياطيات بدلاً من تقليصها.
وفي المقابل، أشار أكثر من نصف المشاركين إلى أنهم يعتزمون الإبقاء على مستويات الذهب الحالية دون تغيير، بينما لم تتجاوز نسبة من يتوقعون خفض الحيازات مستوى هامشياً للغاية، وهو ما يعكس إجماعاً شبه كامل على أهمية الاحتفاظ بالمعدن الأصفر داخل الاحتياطيات الرسمية.
عصر جديد
منذ عام 2022 دخلت مشتريات البنوك المركزية للذهب مرحلة استثنائية من النمو، حيث سجلت مستويات قياسية تاريخية مدفوعة بمجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية المتداخلة.
فالحرب في أوروبا الشرقية، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والمنافسة المتزايدة بين القوى الاقتصادية الكبرى، دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في هيكل احتياطياتها الدولية. ونتيجة لذلك ارتفعت أهمية الذهب باعتباره أصلاً لا يرتبط بشكل مباشر بأي حكومة أو عملة وطنية محددة.
وأصبح الذهب بالنسبة للعديد من البنوك المركزية وسيلة لتقليل الاعتماد على العملات الاحتياطية التقليدية، وفي مقدمتها الدولار الأميركي واليورو، خصوصاً في ظل تنامي المخاوف المرتبطة باستخدام العقوبات الاقتصادية والأدوات المالية في الصراعات الدولية. ورغم توقعات تباطؤ الطلب خلال العام المقبل، فإن المؤسسات المتخصصة تؤكد أن مشتريات الذهب ستظل أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية المسجلة قبل عام 2022، ما يعني أن الاتجاه العام لا يزال داعماً للأسعار على المدى الطويل.
ملاذ آمن
يتمتع الذهب بسمعة فريدة بين الأصول المالية العالمية بفضل قدرته على الحفاظ على قيمته خلال فترات الاضطراب والأزمات. ولهذا السبب احتل عامل الأمان المرتبة الأولى بين دوافع الاحتفاظ بالمعدن النفيس لدى البنوك المركزية.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 90 % من المشاركين يعتبرون أداء الذهب خلال فترات الأزمات سبباً رئيسياً للاحتفاظ به، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها في تاريخ المسح.
وتأتي هذه النتيجة في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالاقتصاد العالمي، سواء بسبب النزاعات العسكرية أو التوترات التجارية أو التقلبات المالية. وفي مثل هذه الظروف يبرز الذهب كأحد الأصول القليلة القادرة على الاحتفاظ بقيمتها عندما تتراجع الثقة في الأصول الأخرى.
كما أن الذهب لا يحمل مخاطر ائتمانية مـرتبطــة بجهة مصدرة، على عكس السندات الحكومية أو بعض الأدوات المالية الأخرى، وهو ما يمنحه ميزة إضافية في فترات عدم اليقين.
الأسواق الناشئة
تبدو البنوك المركزية في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الأكثر حماساً للاحتفاظ بالذهب مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات المتقدمة.
فالدول النامية تواجه عادة مستويات أعلى من المخاطر المرتبطة بأسعار الصرف وتدفقات رؤوس الأموال وتقلبات الأسواق العالمية، ما يجعل الذهب أداة مهمة لتقوية المراكز المالية الخارجية. وأظهـرت نتـائــج الاستطـلاع أن 85 % من المشاركين من هذه الفئة يرون أن الذهب يمثل وسيلة فعالة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم القلق من استمرار الاضطرابات الدولية.
كما أن بعض الاقتصادات الناشئة تسعى إلى تقليل اعتمادها على العملات الأجنبية الرئيسية ضمن احتياطياتها، وهو ما يدفعها إلى زيادة المخصصات الموجهة للذهب تدريجياً، وتشير بيانات السنوات الأخيرة إلى أن العديد من البنوك المركزية في آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية كانت من أبرز المشترين للذهب عالمياً، في إطار استراتيجيات طويلة الأجل تهدف إلى تعزيز الاستقلالية المالية.
إعادة التموضع
أحد الاتجاهات اللافتة التي أظهرها الاستطلاع يتمثل في تنامي الاهتمام بمواقع تخزين الذهب. فبعد عقود من الاعتماد على المراكز المالية العالمية الكبرى، بدأت بعض البنوك المركزية إعادة تقييم استراتيجياتها المتعلقة بحفظ الاحتياطيات. وأفاد عدد متزايد من المشاركين بأنهم قاموا خلال العام الماضي بزيادة كميات الذهب المخزنة داخل بلدانهم، كما أشار آخرون إلى توجههم نحو تنويع مواقع التخزين الخارجية بدلاً من الاعتماد على مركز واحد فقط.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية المرونة التشغيلية والسيادية في إدارة الاحتياطيات، خاصة في ظل البيئة الجيوسياسية المتغيرة.
ورغم هذا الاتجاه، لا تزال المراكز المالية التقليدية تحتفظ بجاذبيتها الكبيرة، نظراً لما توفره من بنية تحتية متطورة وخدمات متخصصة مرتبطة بتداول الذهب وإدارته.
مركز لندن
يحافظ بنك إنكلترا على مكانته كأبرز موقع عالمي لتخزين الذهب بالنسبة للبنوك المركزية، مستفيداً من التاريخ الطويل الذي تتمتع به لندن كمركز رئيسي لتجارة المعادن الثمينة.
وتوفر العاصمة البريطانية شبكة متكاملة من الخدمات اللوجستية والمالية المرتبطة بالذهب، إضافة إلى مستويات مرتفعة من الأمان والسيولة، ما يجعلها خياراً مفضلاً للعديد من المؤسسات النقدية حول العالم.
إلى جانب لندن، يبرز التخزين المحلي كخيار متنامٍ بين البنوك المركزية، بينما يحتفظ بنك التسويات الدولية أيضاً بدور مهم في منظومة تخزين وإدارة الذهب عالمياً. ويعكس التنوع في مواقع التخزين رغبة البنوك المركزية في تحقيق توازن بين سهولة الوصول إلى الأسواق الدولية والحفاظ على قدر أكبر من السيطرة المباشرة على احتياطياتها الاستراتيجية.