الذهب يحافظ على مكاسبه فوق 4300 دولار
حافظ الذهب على استقراره بالقرب من مستوياته المرتفعة خلال تعاملات الأربعاء بعد سلسلة مكاسب قوية استمرت أربعة أيام متتالية، في وقت تتابع فيه الأسواق العالمية تطورات الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، والذي قد يشكل نقطة تحول مهمة في المشهد الجيوسياسي وأسواق الطاقة العالمية.
وجاء استقرار المعدن النفيس بعد ارتفاع تجاوز 6% خلال الجلسات الأربع الماضية، مدعوماً بموجة واسعة من الإقبال على الملاذات الآمنة خلال فترة الحرب والتوترات التي ضربت منطقة الشرق الأوسط وأثارت مخاوف كبيرة بشأن أمن الطاقة العالمي. إلا أن بدء ظهور تفاصيل الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم التوقعات المتعلقة بالتضخم والنمو الاقتصادي والسياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
وفي الوقت نفسه، يترقب المستثمرون أول قرار لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تحت قيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، وسط توقعات واسعة بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مع التركيز بصورة أكبر على الرسائل التي ستصدر عن البنك المركزي بشأن التضخم واتجاهات السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
ويضع هذا المشهد الذهب في قلب معادلة معقدة تجمع بين التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة وسياسات البنوك المركزية العالمية، وهي عوامل ستحدد بصورة كبيرة اتجاه المعدن النفيس خلال النصف الثاني من العام.
الاتفاق الأميركي الإيراني
يغير حسابات الأسواق
بدأت الأسواق العالمية تتعامل مع الاتفاق المؤقت المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره أحد أهم التطورات الجيوسياسية خلال العام الحالي، نظراً لتداعياته المباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن الاتفاق سيسمح لإيران باستئناف بيع النفط بصورة فورية، إلى جانب استعادة جزء من أصولها المجمدة في الخارج، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في الأسواق العالمية بعد فترة طويلة من القيود والعقوبات.
وينظر المستثمرون إلى هذا الاتفاق باعتباره عاملاً قد يخفف الضغوط التضخمية التي تفاقمت خلال الأشهر الماضية نتيجة اضطرابات الإمدادات النفطية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن. فكلما زادت احتمالات استقرار أسواق النفط، تراجعت المخاوف من استمرار موجات التضخم المرتفعة التي دفعت البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية.
وبالنسبة للذهب، فإن تراجع المخاطر الجيوسياسية عادة ما يقلل من الطلب على الملاذات الآمنة، إلا أن تأثير هذا العامل لا يزال محدوداً في الوقت الراهن بسبب استمرار بعض الشكوك حول تنفيذ الاتفاق واستدامته على المدى الطويل.
مكاسب قوية تعكس قوة
الطلب الاستثماري
رغم حالة الاستقرار الحالية، فإن الذهب لا يزال يتحرك بالقرب من مستويات تاريخية مرتفعة بعد موجة صعود قوية شهدها خلال الأيام الماضية.
وجاءت هذه المكاسب نتيجة تزايد الطلب الاستثماري على المعدن النفيس خلال فترة الحرب، حيث سعى المستثمرون حول العالم إلى حماية محافظهم الاستثمارية من تقلبات الأسواق والمخاطر السياسية والاقتصادية.
كما استفاد الذهب من حالة عدم اليقين التي سادت الأسواق العالمية مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. ففي مثل هذه الظروف، يميل المستثمرون إلى زيادة حيازاتهم من الأصول الدفاعية التي تحافظ على قيمتها خلال فترات الاضطراب.
وعلى الرغم من انحسار بعض هذه المخاطر مع اقتراب توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني، فإن الذهب ما زال يحتفظ بجزء كبير من مكاسبه، ما يعكس استمرار الطلب عليه كأداة للتحوط ضد التقلبات المحتملة.
ويشير ذلك إلى أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر مع المشهد الاقتصادي العالمي، خصوصاً في ظل استمرار العديد من عوامل عدم اليقين المتعلقة بالنمو والتضخم والسياسة النقدية.
مضيق هرمز يبقى عاملاً
مؤثراً في الأسواق
يحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في حسابات المستثمرين بسبب أهميته الاستراتيجية في حركة تجارة النفط العالمية.
وخلال فترة الحرب، أدى تعطل الملاحة في المضيق إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة، حيث ارتفعت تكاليف النقل والتأمين وتزايدت المخاوف من نقص الإمدادات العالمية. وقد ساهم ذلك في رفع أسعار النفط وتعزيز الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.
لكن مع اقتراب التوصل إلى اتفاق سياسي، بدأت التوقعات تتجه نحو إعادة فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة الطبيعية خلال الأيام المقبلة. وإذا تحقق ذلك بالفعل، فمن المتوقع أن تتراجع الضغوط على أسواق الطاقة بصورة تدريجية.
غير أن بعض الحكومات والمؤسسات الأوروبية لا تزال تبدي حذراً بشأن سرعة عودة الأوضاع إلى طبيعتها الكاملة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى استكمال الترتيبات الأمنية والفنية المرتبطة بحركة الملاحة البحرية.
وتعني هذه الضبابية أن الذهب قد يستمر في الاستفادة جزئياً من الطلب الدفاعي إلى حين اتضاح الصورة بشكل كامل خلال الأسابيع المقبلة.
وبالنسبة للذهب، فإن أي إشارات إلى استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول قد تشكل عاملاً سلبياً، نظراً لأن المعدن النفيس لا يوفر عائداً مالياً للمستثمرين. أما إذا أظهر البنك المركزي ميلاً نحو تخفيف السياسة النقدية مستقبلاً، فقد يدعم ذلك أسعار الذهب مجدداً.
ولهذا السبب، يفضل العديد من المستثمرين الانتظار قبل اتخاذ مراكز استثمارية كبيرة إلى حين صدور القرار وظهور تفاصيله الكاملة.
مستقبل الذهب بين الدعم الفني والمتغيرات الاقتصادية
يرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار التقلبات في أسعار الذهب مع تداخل عدد كبير من العوامل الاقتصادية والسياسية.
فمن جهة، لا يزال المعدن النفيس يستفيد من حالة عدم اليقين العالمية والمخاطر الجيوسياسية المتبقية، ومن جهة أخرى قد يواجه ضغوطاً إذا نجح الاتفاق الأميركي الإيراني في تهدئة أسواق الطاقة وخفض معدلات التضخم.
كما أن اتجاه السياسة النقدية الأميركية سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد المسار المستقبلي للأسعار. فكلما اقتربت الأسواق من دورة خفض الفائدة، زادت جاذبية الذهب بالنسبة للمستثمرين.
وفي المقابل، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو تحسن شهية المخاطرة في الأسواق المالية قد يدفع بعض المستثمرين إلى التحول نحو أصول أخرى تحقق عوائد أعلى.