الذهب يخسر للأسبوع الثاني بضغط الفائدة
أنهت أسعار الذهب تعاملات الجمعة على تراجع، لتسجل خسائر للأسبوع الثاني على التوالي، بعدما أعادت بيانات الوظائف الأمريكية الأقوى من المتوقع المخاوف بشأن استمرار تشديد السياسة النقدية، وعززت الرهانات على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب هذا الشهر.
وتعرض المعدن النفيس لضغوط بعدما أظهرت بيانات سوق العمل أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بقدر كبير من المتانة، ما يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للتحرك ضد التضخم دون مخاوف كبيرة من إلحاق ضرر سريع بسوق الوظائف.
ويعد ارتفاع أسعار الفائدة عاملاً سلبياً بالنسبة إلى الذهب، لأنه لا يقدم عائداً لحائزيه، وبالتالي ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به عندما تصعد عوائد السندات وأدوات الدخل الثابت.
كما تؤثر توقعات الفائدة عادة في الدولار الأمريكي، الذي يمثل بدوره عاملاً رئيسياً في تحديد حركة الذهب، إذ يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية إلى زيادة تكلفة شراء المعدن بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى.
وظائف قوية
وجاءت الضغوط على الذهب بعد صدور تقرير الوظائف لشهر أغسطس، الذي كشف عن إضافة الاقتصاد الأمريكي عدداً من الوظائف يفوق توقعات الأسواق، بالتزامن مع تعديل بيانات الشهرين السابقين بالزيادة.
كما استقر معدل البطالة، ما عزز صورة سوق عمل لا تزال قادرة على الصمود رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض والضغوط التي يواجهها الاقتصاد.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين لأنها تأتي قبل اجتماع حاسم لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، في وقت تحاول فيه الأسواق تحديد ما إذا كان البنك المركزي سيحتاج إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى لمواجهة الضغوط التضخمية.
فكلما أظهرت سوق العمل قوة أكبر، تقل المخاوف من أن تؤدي زيادة جديدة في الفائدة إلى إضعاف التوظيف بصورة حادة، وهو ما يمنح الاحتياطي الفيدرالي هامشاً أوسع للتحرك.
وتحولت قوة الاقتصاد بذلك إلى عامل ضغط على الذهب، بعدما كانت المخاوف بشأن ضعف سوق العمل توفر للمعدن بعض الدعم عبر توقعات تبني سياسة نقدية أقل تشدداً.
وتعكس خسارة الذهب للأسبوع الثاني على التوالي تغيراً في حسابات المستثمرين، مع عودة أسعار الفائدة إلى صدارة العوامل المؤثرة في اتجاهات المعدن النفيس.
رهانات الفائدة
ويواجه الذهب معادلة صعبة في المرحلة الحالية، إذ إن ارتفاع توقعات الفائدة يزيد جاذبية الأصول التي تمنح المستثمرين عائداً منتظماً، وفي مقدمتها السندات الحكومية، على حساب الأصول التي لا تدر دخلاً مثل المعدن الأصفر.
وفي المقابل، يظل الذهب مستفيداً من حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها المستثمرون في أوقات الاضطرابات.
لكن استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي يمكن أن يقلل في المدى القصير من تأثير هذا الدعم، خصوصاً إذا اقتنعت الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي يستطيع تشديد السياسة النقدية دون دفع الاقتصاد إلى ركود أو التسبب في ارتفاع حاد للبطالة.
وتصبح حركة الذهب لذلك مرتبطة بصورة متزايدة بالتوازن بين عاملين متعارضين: الطلب على الملاذات الآمنة من جهة، وارتفاع العوائد الحقيقية وتوقعات الفائدة من جهة أخرى.
وإذا واصلت البيانات الاقتصادية الأمريكية إظهار قدر كبير من القوة، فقد تبقى الأسعار تحت الضغط، خصوصاً مع ارتفاع احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
اختبار التضخم
وبعد تقرير الوظائف، تنتقل أنظار أسواق الذهب إلى بيانات التضخم الأمريكية المنتظر صدورها الأسبوع المقبل، وفي مقدمتها مؤشرا أسعار المستهلكين والمنتجين.
وستمثل هذه البيانات الاختبار الأهم لتوقعات الفائدة، لأنها ستكشف ما إذا كانت ضغوط الأسعار تتسع بما يكفي لدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التشديد.
وفي حال أظهرت البيانات تسارع التضخم، قد ترتفع رهانات زيادة الفائدة، وهو سيناريو من شأنه ممارسة مزيد من الضغط على الذهب عبر دعم الدولار وعوائد السندات.
أما إذا جاءت مؤشرات الأسعار أضعف من المتوقع، فقد تتراجع احتمالات رفع الفائدة، ما يمكن أن يوفر دعماً للمعدن النفيس ويحد من خسائره الأخيرة.
وهكذا أصبحت تحركات الذهب مرتبطة بصورة مباشرة بكل قراءة اقتصادية جديدة، مع اقتراب اجتماع البنك المركزي الأمريكي وغياب اليقين بشأن قراره المقبل.
التضخم يرسم مسار الذهب
تدخل أسعار الذهب الأسبوع الجديد تحت ضغط خسارتين أسبوعيتين متتاليتين، بعدما أعادت قوة سوق العمل الأمريكية تسعير توقعات السياسة النقدية. وسيكون اتجاه المعدن خلال الفترة المقبلة مرهوناً بدرجة كبيرة ببيانات التضخم، إذ إن استمرار ضغوط الأسعار سيعزز مبررات رفع الفائدة ويزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد، بينما قد تمنح قراءة تضخم أكثر اعتدالاً الذهب فرصة لاستعادة بعض زخمه. وبين رهانات الفائدة والطلب على الملاذات الآمنة، تبقى السياسة النقدية الأمريكية العامل الأكثر تأثيراً في اتجاه المعدن النفيس.