الذهب يسجل أسوأ تراجع شهري منذ 2008
تعيش أسواق الذهب واحدة من أكثر الفترات صعوبة منذ الأزمة المالية العالمية، بعدما اتجه المعدن الأصفر إلى تسجيل أكبر خسارة شهرية منذ أكتوبر 2008، في تحول لافت يعكس تغيراً جذرياً في توجهات المستثمرين العالميين، الذين باتوا يركزون بصورة أكبر على توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية بدلاً من المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم أسعار الذهب خلال الأشهر الماضية.
جاءت موجة البيع الواسعة رغم استمرار التوترات السياسية في الشرق الأوسط، إذ تراجعت علاوة المخاطر التي كانت تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، بينما ارتفعت رهانات الأسواق على مواصلة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية، وهو ما أضعف جاذبية المعدن النفيس الذي لا يدر عائداً لحائزيه.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.8 % إلى 3985.57 دولاراً للأونصة، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطس بنسبة 1 % إلى 3999.20 دولاراً، ليصل إجمالي خسائر المعدن منذ بداية يونيو إلى نحو 12.1 %، مسجلاً بذلك رابع انخفاض شهري متتالٍ.
ويأتي هذا الأداء في وقت يستعد فيه الذهب أيضاً لتسجيل أول خسارة فصلية منذ عام 2024، والأكبر منذ الربع الثاني من عام 2013، في إشارة إلى التحول الكبير الذي تشهده الأسواق العالمية بعد أشهر من الارتفاعات القياسية.
أكبر خسارة شهرية منذ
الأزمة المالية العالمية
تمثل خسائر الذهب الحالية حدثاً استثنائياً في تاريخ السوق، إذ تعود آخر مرة سجل فيها المعدن الأصفر تراجعاً شهرياً بهذه الحدة إلى أكتوبر 2008، عندما كانت الأسواق العالمية تعيش ذروة الأزمة المالية العالمية وانهيار المؤسسات المصرفية الكبرى.
لكن المفارقة أن الظروف الحالية تختلف جذرياً عن تلك الفترة، فالتراجع الحالي لا يعكس أزمة مالية أو انهياراً في الاقتصاد العالمي، وإنما يعكس إعادة تسعير واسعة للأصول الاستثمارية نتيجة تغير توقعات السياسة النقدية الأميركية.
فبعد أن استفاد الذهب خلال الأشهر الماضية من الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد المخاوف بشأن أمن الطاقة، بدأت هذه العوامل تفقد تأثيرها تدريجياً مع تراجع احتمالات اتساع الصراع وعودة الأسواق إلى التركيز على التضخم والفائدة.
ويرى محللون أن الذهب كان من أكبر المستفيدين من حالة عدم اليقين التي سيطرت على الأسواق، لكنه أصبح الآن من أكبر المتضررين مع تغير أولويات المستثمرين.
الفائدة المرتفعة تسحب
البساط من الذهب
تعد أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيراً في أداء الذهب خلال المرحلة الحالية.
فكلما ارتفعت الفائدة، زادت جاذبية الأصول المدرة للعائد مثل السندات وأدوات الدخل الثابت، بينما تتراجع جاذبية الذهب الذي لا يقدم أي عائد دوري للمستثمرين.
وتشير توقعات الأسواق إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يرفع أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال العام الحالي، مع ترجيح يبلغ نحو 64 % لتنفيذ أول رفع جديد خلال اجتماع سبتمبر المقبل.
وتعني هذه التوقعات استمرار الضغوط على الذهب، خاصة إذا جاءت البيانات الاقتصادية الأميركية قوية بما يكفي لدعم استمرار التشديد النقدي.
ويرى خبراء أن العلاقة العكسية بين الذهب والفائدة أصبحت أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، إذ باتت الأسواق تتفاعل بصورة مباشرة مع أي بيانات اقتصادية تعزز احتمالات رفع الفائدة.
التضخم لم يعد داعماً
للمعدن الأصفر
لطالما اعتبر الذهب أحد أهم أدوات التحوط ضد التضخم، إذ يلجأ إليه المستثمرون عادة للحفاظ على القيمة الشرائية لأموالهم عند ارتفاع الأسعار.
إلا أن البيئة الاقتصادية الحالية أوجدت معادلة مختلفة، فارتفاع التضخم ترافق مع تشديد نقدي قوي وارتفاع سريع في أسعار الفائدة، وهو ما حد من قدرة الذهب على الاستفادة من دوره التقليدي كملاذ للتحوط.
وأوضح المحلل في شركة «ماريكس» إدوارد مير أن التضخم المرتفع، إلى جانب توقعات رفع الفائدة وقوة الدولار، أصبحت عوامل تتغلب على جميع المحفزات التقليدية التي تدعم أسعار الذهب.
ويرى محللون أن المستثمرين أصبحوا ينظرون إلى الفائدة باعتبارها العامل الأكثر حسماً في تحديد اتجاه المعدن النفيس، حتى مع استمرار مستويات التضخم فوق المستهدفات الرسمية.
بيانات الوظائف الأميركية في صدارة الاهتمام
تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع نحو سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية التي قد تحدد الاتجاه المقبل لأسعار الذهب. وتبرز بيانات التوظيف الصادرة عن مؤسسة «إيه دي بي»، إضافة إلى تقرير الوظائف غير الزراعية، باعتبارهما من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تقييم أوضاع سوق العمل.
وفي حال جاءت الأرقام أقوى من المتوقع، فقد تزداد احتمالات رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يضغط على الذهب بصورة إضافية.
أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً واضحاً في سوق العمل، فقد تبدأ الأسواق في إعادة تقييم مسار السياسة النقدية، وهو ما قد يمنح الذهب فرصة لالتقاط الأنفاس.
الحرب لم تعد المحرك الرئيسي للأسواق
خلال الأشهر الماضية، قادت الحرب في الشرق الأوسط موجة صعود قوية للذهب نتيجة تصاعد المخاوف من اتساع الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي.
غير أن انحسار التوترات تدريجياً وعودة الحديث عن الحلول الدبلوماسية أدى إلى تراجع الطلب على الملاذات الآمنة.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت أسعار النفط أيضاً في التراجع، وهو ما ساهم في تهدئة مخاوف التضخم المرتبطة بالطاقة، رغم استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبياً.
توقعات متباينة للنصف الثاني
ورغم موجة التراجع الحالية، لا تزال بعض المؤسسات الاستثمارية ترى أن الذهب سيحافظ على مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بمتوسطاته التاريخية.
ويتوقع المحلل إدوارد مير أن يتحرك الذهب خلال النصف الثاني من العام داخل نطاق يتراوح بين 3500 و4400 دولار للأونصة، وهو نطاق واسع يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمي.
ويعتمد المسار النهائي للأسعار على مجموعة من العوامل، في مقدمتها قرارات الاحتياطي الفيدرالي، واتجاه الدولار، وأداء الاقتصاد الأميركي، ومستوى التضخم، إضافة إلى أي تطورات جيوسياسية قد تعيد الطلب على الملاذات الآمنة.
كما ستراقب الأسواق تطورات الطلب الفعلي على الذهب من البنوك المركزية، التي لعبت خلال السنوات الأخيرة دوراً رئيسياً في دعم الأسعار عبر زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس.
المعادن النفيسة الأخرى
تحت الضغط
لم تقتصر موجة التراجعات على الذهب وحده، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة، في إشارة إلى اتساع عمليات البيع في أسواق السلع.
فقد انخفضت أسعار الفضة بنسبة 2 % إلى 57.13 دولاراً للأونصة، بينما تراجع البلاتين بنسبة 1.1 % إلى 1557.21 دولاراً، وهبط البلاديوم بنسبة 0.4 % إلى 1208.17 دولار للأونصة.
وتتجه المعادن الثلاثة أيضاً إلى تسجيل خسائر شهرية وفصلية، مدفوعة بالعوامل نفسها التي تضغط على الذهب، وفي مقدمتها ارتفاع الدولار، وتوقعات استمرار تشديد السياسة النقدية، وعودة المستثمرين إلى الأصول ذات العائد.
وتعكس التطورات الحالية تحولاً واضحاً في مزاج الأسواق العالمية، إذ باتت قرارات البنوك المركزية والمؤشرات الاقتصادية تتصدر قائمة العوامل المؤثرة في حركة المعادن النفيسة، بعدما تراجعت المخاوف الجيوسياسية تدريجياً. ومع استمرار هذه المعطيات، يبدو أن الذهب سيظل رهينة مسار الفائدة الأميركية وقوة الدولار خلال النصف الثاني من عام 2026، في انتظار أي متغيرات اقتصادية أو سياسية قد تعيد إليه بريقه كأحد أهم الملاذات الآمنة في العالم