الذهب يصعد بدعم الوظائف والنفط المتراجع
واصل الذهب مكاسبه للجلسة الثانية على التوالي، مدعوماً ببيانات توظيف أميركية جاءت دون توقعات الأسواق، إلى جانب استمرار انخفاض أسعار النفط، في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركي الذي يعد أحد أهم المؤشرات القادرة على تحديد مسار السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
وسجل المعدن النفيس أداءً قوياً بعدما بلغ في جلسة الأربعاء أعلى مستوى له منذ أكثر من أسبوع، مستفيداً من تنامي التوقعات بأن تباطؤ سوق العمل الأميركي قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر مرونة إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية في إظهار تباطؤ تدريجي.
وفي المقابل، شكل تراجع أسعار النفط عاملاً إضافياً لدعم الذهب، بعدما هدأت المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة العالمية في أعقاب الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ركزت على أمن الملاحة في مضيق هرمز.
بيانات الوظائف تغير
مزاج الأسواق
تحولت أنظار المستثمرين خلال الساعات الماضية إلى بيانات التوظيف الأميركية، بعدما أظهر تقرير مؤسسة «إيه دي بي» أن القطاع الخاص أضاف 98 ألف وظيفة فقط خلال يونيو، مقارنة بإضافة 122 ألف وظيفة في مايو، وهي قراءة جاءت أقل من توقعات المحللين.
وأثارت هذه البيانات تساؤلات بشأن قوة سوق العمل الأميركي، الذي ظل طوال العام أحد أبرز أسباب تمسك الاحتياطي الفيدرالي بسياسة نقدية متشددة.
ويرى محللون أن تباطؤ نمو الوظائف قد يشير إلى بداية تراجع تدريجي في النشاط الاقتصادي، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة أكبر للنظر في تخفيف السياسة النقدية إذا استمر التضخم في الانخفاض خلال الأشهر المقبلة.
ولذلك استقبلت الأسواق هذه الأرقام بإيجابية، إذ ارتفعت أسعار الذهب باعتباره أحد أبرز المستفيدين من أي توقعات بانخفاض أسعار الفائدة.
الذهب يستعيد بريقه
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% ليصل إلى 4063.56 دولاراً للأونصة، بعدما سجل في جلسة الأربعاء مستوى 4114.99 دولاراً، وهو الأعلى منذ الثالث والعشرين من يونيو الماضي.
ورغم تراجع العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة طفيفة بلغت 0.2% لتستقر عند 4075.60 دولاراً للأونصة، فإن الاتجاه العام للأسعار ظل يميل إلى الصعود بدعم من تحسن معنويات المستثمرين تجاه المعدن النفيس.
ويعكس هذا الأداء استمرار الطلب على الذهب كأداة للتحوط في ظل الضبابية الاقتصادية، خصوصاً مع استمرار ترقب المستثمرين لأي إشارات جديدة حول مستقبل أسعار الفائدة الأميركية.
النفط يمنح الذهب دعماً إضافياً
لم تكن بيانات الوظائف وحدها وراء صعود الذهب، إذ ساهم تراجع أسعار النفط في تعزيز مكاسب المعدن الأصفر.
وانخفض النفط بعد انتهاء جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ركزت على أمن الملاحة في مضيق هرمز، وسط مؤشرات على استمرار تدفق الإمدادات النفطية وغياب أي تصعيد جديد يهدد حركة الناقلات.
ويؤدي انخفاض أسعار النفط عادة إلى تهدئة الضغوط التضخمية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم لمسار أسعار الفائدة.
كما أن تراجع تكلفة الطاقة يقلل من احتمالات استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، الأمر الذي يزيد من فرص تخفيف السياسة النقدية مستقبلاً، وهو سيناريو يصب في مصلحة الذهب.
العلاقة بين الذهب والفائدة
تظل أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب، إذ إن المعدن الأصفر لا يدر عائداً مالياً، ما يجعله أقل جاذبية عندما ترتفع الفائدة وتزداد عوائد السندات والأدوات الاستثمارية الأخرى.
أما عندما تتزايد التوقعات بخفض الفائدة أو تثبيتها عند مستويات أقل، فإن تكلفة الاحتفاظ بالذهب تتراجع نسبياً، فيزداد الإقبال عليه باعتباره مخزناً للقيمة وملاذاً آمناً.
ولهذا السبب، جاءت بيانات الوظائف الأخيرة لتمنح الذهب دفعة قوية، بعدما عززت رهانات المستثمرين على احتمال تحول الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة أكثر مرونة خلال الفترة المقبلة.
الأنظار تتجه إلى تقرير الوظائف
ورغم المكاسب الحالية، لا تزال الأسواق تنتظر التقرير الأهم، وهو بيانات الوظائف غير الزراعية لشهر يونيو، المقرر صدورها في وقت لاحق اليوم.
ويحظى هذا التقرير بأهمية كبيرة لأنه يعد من أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تقييم أوضاع الاقتصاد وسوق العمل قبل اتخاذ قرارات السياسة النقدية.
وفي حال جاءت البيانات أضعف من المتوقع، فقد ترتفع احتمالات خفض أسعار الفائدة، ما قد يمنح الذهب فرصة لمواصلة الصعود.
أما إذا أظهرت الأرقام قوة أكبر من المتوقع، فقد تتراجع رهانات التيسير النقدي، وهو ما قد يضغط على المعدن النفيس ويحد من مكاسبه الأخيرة.
رهانات الأسواق على الفيدرالي
تشير تقديرات المتعاملين، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، إلى أن الأسواق لا تزال تبني توقعاتها على احتمال إجراء خفض لأسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار مراقبة جميع البيانات الاقتصادية الصادرة عن الاقتصاد الأميركي.
وأصبحت تحركات الذهب مرتبطة بصورة وثيقة بهذه التوقعات، إذ إن أي تغير في احتمالات خفض الفائدة ينعكس مباشرة على أسعار المعدن النفيس.
ولهـذا السبب، تتسـم تـداولات الذهـب حالياً بدرجـة عاليــة من الحساسيـة تجاه البيانات الاقتصادية، سواء المتعلقة بسوق العمل أو التضخم أو الإنفاق الاستهلاكي.
المعادن النفيسة تواكب الصعود
لم تقتصر المكاسب على الذهب وحده، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة، في إشارة إلى تحسن شهية المستثمرين تجاه هذا القطاع.
وارتفعت الفضة بنسبة 1 % لتصل إلى 59.76 دولاراً للأونصة، بينما زاد البلاتين بنسبة 0.4 % مسجلاً 1583.05 دولاراً، كما صعد البلاديوم بنسبة 1.1 % ليبلغ 1223.80 دولاراً للأونصة.
ويشير الأداء الجماعي لهذه المعادن إلى أن المستثمرين يتجهون بصورة متزايدة نحو الأصول المرتبطة بالمعادن الثمينة، سواء لأغراض التحوط أو للاستفادة من توقعات تغير السياسة النقدية العالمية.
وفي ظل استمرار الترقب لبيانات الاقتصاد الأميركي، تبقى أسعار الذهب مرشحة لمزيد من التقلبات خلال الأيام المقبلة، إذ سيحدد مسار سوق العمل واتجاه التضخم وتوقيت أي تحرك من الاحتياطي الفيدرالي مستقبل المعدن النفيس على المدى القصير. وبين توقعات خفض الفائدة، وتراجع أسعار النفط، واستمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، يحتفظ الذهب بمكانته كأحد أبرز الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها المستثمرون عند تصاعد الضبابية أو تغير التوقعات الاقتصادية.