الذهب يفقد بريقه مع تصاعد رهانات الفائدة واستمرار ضبابية الحرب
شهدت أسواق الذهب موجة تراجع جديدة رغم استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، في تطور يعكس تغيراً واضحاً في طبيعة تفاعل المستثمرين مع الأزمة الجيوسياسية الحالية. فبدلاً من التوجه المكثف نحو الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، باتت الأسواق تركز بصورة أكبر على التداعيات الاقتصادية للحرب، ولا سيما مخاطر التضخم وارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
وتراجع المعدن النفيس إلى أدنى مستوياته منذ نحو أسبوع، متأثراً بتجدد الاشتباكات بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد الشكوك حول مستقبل المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب، في وقت واصلت فيه أسعار النفط تسجيل ارتفاعات قوية مدفوعة بالمخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات العالمية.
ضغوط بيعية
انخفض الذهب الفوري خلال التداولات الأخيرة بنسبة بلغت نحو 0.6 % ليستقر عند 4461.58 دولاراً للأونصة، بعدما هبط في وقت سابق بأكثر من 1 % متراجعاً إلى ما دون مستوى 4440 دولاراً للأونصة.
ويأتي هذا الأداء الضعيف رغم استمرار حالة عدم اليقين السياسي والعسكري، وهي ظروف كانت عادة ما تدعم أسعار الذهب خلال الأزمات السابقة. إلا أن طبيعة الأزمة الحالية وتداعياتها الاقتصادية دفعت الأسواق إلى إعادة تقييم دور المعدن النفيس في البيئة الاستثمارية الراهنة.
كما شهدت المعادن النفيسة الأخرى تراجعات متزامنة، حيث انخفضت أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم، ما يعكس حالة عامة من الحذر في أسواق المعادن الثمينة.
ويرى محللون أن التحركات الأخيرة تؤكد أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى التوترات الجيوسياسية بمعزل عن تأثيرها على التضخم والسياسة النقدية، بل أصبحوا يربطون بين العاملين بصورة مباشرة.
ضبابية المفاوضات
ساهمت التطورات السياسية الأخيرة في زيادة حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق. فبينما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مؤقت مع إيران، أشارت تقارير أخرى إلى تعثر المفاوضات واستمرار الخلافات بين الجانبين.
هذه التناقضات في الرسائل السياسية خلقت بيئة ضبابية يصعب معها على المستثمرين بناء توقعات واضحة بشأن مستقبل الأزمة.
وأدى تكرار دورات التصعيد والتهدئة خلال الأشهر الماضية إلى زيادة صعوبة تقييم المخاطر الحقيقية المرتبطة بالحرب، حيث باتت الأسواق تتفاعل بسرعة مع كل تطور جديد قبل أن تعود لإعادة تقييم الموقف بعد ساعات أو أيام.
وتنعكس هذه الضبابية مباشرة على أسواق الذهب التي تعتمد بشكل كبير على توقعات المستثمرين لمستقبل المخاطر العالمية.
التضخم يتصدر المشهد
أصبحت مخاطر التضخم العامل الأكثر تأثيراً في تسعير الذهب خلال الفترة الحالية. فاستمرار اضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط يثيران مخاوف من انتقال الضغوط السعرية إلى مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، ما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية مشددة لفترة أطول من المتوقع.
ويشكـل هـذا السيناريو تحدياً كبيراً للذهب، لأن المعدن النفيس لا يوفر عائداً دورياً مثل السندات أو الودائع، وبالتالي تتراجع جاذبيته عندما ترتفع أسعار الفائدة.
كما أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة يحد من قدرة البنوك المركزية على تقديم تخفيضات سريعة للفائدة، وهو ما ينعكس سلباً على أسواق المعادن الثمينة.
الفيدرالي يعزز الضغوط
جاءت البيانات الاقتصادية الأميركية الأخيرة لتضيف مزيداً من الضغوط على الذهب. فقد أظهرت الأرقام ارتفاع الوظائف الشاغرة في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ نحو عامين، في مؤشر على استمرار قوة سوق العمل الأميركية.
وتعزز هذه البيانات الاعتقاد بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادراً على تحمل مستويات الفائدة الحالية، ما يقلل الحاجة إلى خفض تكاليف الاقتراض في المستقبل القريب.
كما صدرت تصريحات من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أكدت أن مكافحة التضخم لا تزال أولوية رئيسية، وأن الوقت قد لا يكون مناسباً لتخفيف السياسة النقدية في ظل استمرار الضغوط السعرية.
وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما ضغط على أسعار الذهب ودفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية.
الدولار يستفيد
استفاد الدولار الأميركي من التطورات الأخيرة بصفته أحد أبرز الملاذات التقليدية في أوقات عدم اليقين. وسجل مؤشر الدولار ارتفاعاً طفيفاً، مدعوماً بزيادة التوقعات المتعلقة باستمرار الفائدة المرتفعة. ويؤثر ارتفاع العملة الأميركية عادة بصورة سلبية على الذهب، لأن المعدن يصبح أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
كما أن قوة الدولار تقلل من الحاجة إلى اللجوء للذهب كوسيلة للتحوط، خاصة عندما تترافق مع عوائد مرتفعة على السندات الأميركية.
وفي ظل استمرار هذه المعادلة، يواجه الذهب تحدياً مزدوجاً يتمثل في قوة الدولار من جهة وارتفاع العوائد الحقيقية من جهة أخرى.
معنويات هشة
تشير التحليلات الفنية إلى أن الذهب لا يزال يتحرك ضمن مسار يعكس ضعف الثقة لدى المستثمرين. فقد سجل المعدن خلال الأسابيع الماضية سلسلة من القمم الهابطة، ما يعكس استمرار الضغوط البيعية وتراجع الزخم الصعودي.
ويرى خبراء الأسواق أن المعنويات العامة تجاه الذهب أصبحت أكثر هشاشة مقارنة بالفترات السابقة، خاصة مع استمرار تذبذب الأخبار المتعلقة بالحرب والمفاوضات السياسية.
كما أن حالة الارتباك التي يعيشها المستثمرون بين مخاطر الحرب ومخاطر التضخم تجعل قرارات الاستثمار أكثر تعقيداً، وهو ما يفسر التحركات المتقلبة التي تشهدها الأسواق حالياً.
ترقب المرحلة المقبلة
تتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة إلى ثلاثة عوامل رئيسية ستحدد مسار الذهب، وهي تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ومستقبل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وقرارات السياسة النقدية الأميركية.
فإذا نجحت الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق يخفف حدة التوترات، فقد تتراجع أسعار النفط وتنخفض المخاوف التضخمية، ما قد يوفر دعماً جديداً للذهب. أما إذا استمرت المواجهة العسكرية وتصاعدت المخاطر المرتبطة بالطاقة، فقد تواجه الأسواق موجة جديدة من الضغوط التضخمية تدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياساتها المتشددة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الذهب يعيش مرحلة استثنائية تختلف عن الأزمات السابقة، حيث لم تعد الجغرافيا السياسية وحدها كافية لدفع الأسعار إلى الارتفاع، بل أصبح مسار التضخم وأسعار الفائدة العامل الحاسم في تحديد اتجاه المعدن الأصفر خلال المرحلة المقبلة.