الذهب يفقد 0.4 % ويهبط إلى 4124 دولاراً
تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الثلاثاء، متأثرة بتصاعد المخاوف التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، في وقت يترقب فيه المستثمرون اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الأسبوع المقبل، بحثاً عن مؤشرات تحدد مستقبل السياسة النقدية وأسعار الفائدة. وجاء الانخفاض رغم استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي عادة ما تدعم الطلب على المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً، إلا أن مخاوف بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة طغت على تأثير هذه التوترات.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.4 % إلى 4123.94 دولاراً للأوقية بحلول الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر بالنسبة نفسها إلى 4142.70 دولاراً. ويعكس هذا الأداء حالة الترقب التي تسيطر على أسواق المعادن النفيسة، بعدما أصبحت تحركات الذهب مرتبطة بصورة وثيقة بالتوقعات المتعلقة بالتضخم وقرارات البنوك المركزية، إلى جانب التطورات السياسية والأمنية العالمية.
ضغوط النفط
وتصدرت أسعار الطاقة قائمة العوامل المؤثرة في حركة الذهب، بعدما اقترب خام برنت من أعلى مستوياته خلال خمسة أشهر، مدفوعاً بارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق النفط. وجاء الصعود عقب إعلان الحوثيين في اليمن، الاثنين، تنفيذ هجمات استهدفت منشآت للطاقة ومطارين وأهدافاً عسكرية في السعودية، ما أثار مخاوف المتعاملين بشأن أمن الإمدادات واستقرار حركة الطاقة في المنطقة.
وقال كايل رودا، محلل الأسواق المالية لدى «كابيتال دوت كوم»، إن الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع، وهو ما انعكس سلباً على الذهب مع بداية الأسبوع. ويشير هذا التقييم إلى العلاقة المعقدة بين المعدن النفيس وأسواق الطاقة، إذ قد تؤدي التوترات الأمنية إلى زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، لكنها في الوقت نفسه ترفع توقعات التضخم وتدعم احتمالات استمرار التشديد النقدي.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة عندما ترتفع أسعار النفط بصورة حادة، نظراً إلى تأثيرها المباشر في تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وانتقال هذه الزيادات تدريجياً إلى أسعار السلع الاستهلاكية. ومع تصاعد الضغوط التضخمية، تصبح البنوك المركزية أكثر حذراً تجاه خفض الفائدة، ما يحد من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول التي توفر عوائد دورية.
ترقب الفيدرالي
وتتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المقرر يومي 27 و28 أكتوبر، وسط توقعات بأن يحمل إشارات مهمة بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وتكتسب قرارات البنك المركزي الأميركي أهمية استثنائية لأسواق الذهب، باعتبار أن المعدن لا يدر عائداً ثابتاً، ما يجعل الاحتفاظ به أقل جاذبية عندما ترتفع عوائد السندات والودائع.
ورغم أن الذهب يستخدم تقليدياً للتحوط من التضخم وفقدان القوة الشرائية للعملات، فإن ارتفاع أسعار الفائدة قد يحد من مكاسبه، نتيجة زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به. وتزداد هذه الضغوط عندما يتوقع المستثمرون استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية.
ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، أسهمت تصريحات حديثة لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، أشارت إلى عدم وجود حاجة ملحة لمزيد من التشديد النقدي، في تقليص توقعات رفع الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، ومع ذلك، لا يزال المتعاملون يرجحون بنسبة 91 % احتمال زيادة أسعار الفائدة في ديسمبر، وفق البيانات الواردة في التقرير.
ويرى رودا أن الأسواق قد تشهد تحركات كبيرة بصرف النظر عن القرار الذي سيتخذه الاحتياطي الفيدرالي، مشيراً إلى أن تثبيت أسعار الفائدة قد يدعم الذهب في رد الفعل الأولي. لكن استمرار هذا الدعم سيعتمد على تصريحات مسؤولي البنك بشأن التضخم والنمو، ومدى استعدادهم لتعديل السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
ولا تقتصر المخاوف المتعلقة بأسعار الفائدة على الولايات المتحدة، إذ تراقب الأسواق أيضاً توجهات بنك اليابان، بعدما أكد محافظه كازو أويدا أن التضخم أصبح قريباً جداً من المستوى المستهدف البالغ 2 %، وأشار إلى أن الطلب العالمي القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ضغوط سوق العمل، يسهم في تعزيز الاتجاهات التضخمية.
وتعكس تصريحات أويدا احتمال استمرار رفع أسعار الفائدة اليابانية، خصوصاً مع تجاوز الطلب على العمالة مستويات المعروض منها، ما يزيد الضغوط على الأجور والأسعار. وقد تؤثر هذه التطورات في تدفقات رؤوس الأموال العالمية وعوائد السندات وتحركات العملات، وهي عوامل ترتبط بصورة غير مباشرة باتجاهات الذهب والمعادن النفيسة.
كما أن تزامن التشديد النقدي في الاقتصادات الكبرى قد يزيد المنافسة بين الذهب والأصول المدرة للعائد، ويجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي تغير في توقعات التضخم أو النمو الاقتصادي.
مستقبل الذهب تحكمه قرارات الفائدة
وتقف أسعار الذهب أمام مسارين رئيسيين خلال المرحلة المقبلة؛ أولهما استمرار ارتفاع النفط وتصاعد الضغوط التضخمية، بما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة، ويزيد الضغوط على المعدن النفيس. أما المسار الثاني فيرتبط بتراجع المخاوف التضخمية أو صدور إشارات نقدية أقل تشدداً، ما قد يعزز الطلب الاستثماري على الذهب.
وفي المقابل، تظل التوترات الجيوسياسية عاملاً داعماً للأسعار، خصوصاً إذا أدت إلى زيادة المخاوف بشأن استقرار الاقتصاد العالمي أو دفعت المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول مرتفعة المخاطر.
وبين مخاطر التضخم واحتمالات التشديد النقدي، يترقب المستثمرون إشارات الاحتياطي الفيدرالي لتحديد الاتجاه المقبل للذهب، بعدما أصبح مستقبل المعدن الأصفر مرتبطاً ليس فقط بتطورات الأزمات الدولية، وإنما أيضاً بمدى قدرة البنوك المركزية على احتواء ارتفاع الأسعار دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.