الذهب يقفز فوق 4300 دولار مدعوماً بانحسار مخاطر الفائدة
في مفارقة لافتة في أسواق المال العالمية، قفزت أسعار الذهب بقوة لتقترب من أعلى مستوياتها خلال أسبوع، رغم تراجع حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وإعلان اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة فتح مضيق هرمز. وبينما كان المنطق التقليدي يفترض أن يؤدي انحسار المخاطر السياسية إلى تراجع الطلب على الأصول الآمنة، فإن الأسواق اختارت هذه المرة التركيز على عامل آخر أكثر تأثيراً يتمثل في تراجع احتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
وسجل الذهب مكاسب تجاوزت 2.7 % في التعاملات الفورية ليصعد فوق مستوى 4330 دولاراً للأونصة، فيما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة إلى أكثر من 4355 دولاراً للأونصة، في أداء عكس تحوّلاً واضحاً في نظرة المستثمرين إلى مستقبل أسعار الفائدة والتضخم والعملة الأميركية.
وجاءت هذه المكاسب في وقت تراجعت فيه أسعار النفط بشكل حاد بـعد الإعلان عـن الاتفاق السياسي، وهـو ما أدى إلى تهدئة توقعات التضخم العالمية وخفف الضغوط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لمواصلة رفع أسعار الفائدة مستقبلاً. ونتيجة لذلك، وجد الذهب نفسه أمام بيئة استثمارية أكثر دعماً، مدفوعة بانخفاض العوائد الحقيقية وتراجع الدولار وتحسن شهية المستثمرين تجاه المعدن النفيس.
معادلة جديدة للأسواق
لطالما ارتبط الذهب بالاضطرابات السياسية والحروب والأزمات الدولية، إذ يلجأ المستثمرون إليه باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات عدم اليقين. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن العلاقة بين الذهب والأحداث الجيوسياسية ليست دائماً مباشرة أو بسيطة.
ففي الحالة الراهنة، لم يكن الاتفاق الأميركي الإيراني عاملاً سلبياً للذهب كما توقع البعض، بل تحول إلى محفز إيجابي نتيجة تأثيره غير المباشر على أسواق الطاقة والتضخم والسياسة النقدية. فمع تراجع أسعار النفط انخفضت المخاوف من موجة تضخمية جديدة، ما دفع الأسواق إلى خفض رهاناتها على رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
وهنا يكمن العامل الحاسم بالنسبة للذهب. فالمعدن النفيس لا يدر عائداً دورياً مثل السندات أو الودائع، ولذلك يصبح أكثر جاذبية عندما تتراجع أسعار الفائدة أو تنخفض التوقعات بشأن زيادتها. ومع تراجع احتمالات التشديد النقدي، ارتفعت شهية المستثمرين للعودة إلى الذهب، ما ساهم في تسارع وتيرة الصعود.
ويؤكد هذا التطور أن الذهب لم يعد يتحرك فقط وفق الأخبار السياسية المباشرة، بل وفق تأثير تلك الأخبار على البيئة النقدية والمالية العالمية.
عودة المشترين إلى السوق
من العوامل المهمة التي ساهمت في الارتفاع الأخير أيضاً عودة عمليات الشراء من مستويات سعرية اعتبرها المستثمرون جذابة بعد فترة من الضغوط والتراجعات التي شهدها المعدن النفيس خلال الأشهر الماضية.
فقد تعرض الذهب لموجات بيع متكررة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، رغم أن الأحداث الجيوسياسية كانت تدعم نظرياً الطلب على الملاذات الآمنة. ويرجع ذلك إلى أن الأسواق كانت تركز بدرجة أكبر على احتمالات رفع أسعار الفائدة واستمرار قوة الدولار.
لكــن مع تغيـر هذه المعطيات، بدأ المستثمرون الذين كانوا ينتظرون فرص دخول مناسبة بالعودة إلى السوق، مستفيدين من المستويات السعرية التي تراوحت بين 4000 و4100 دولار للأونصة خلال الفترة السابقة.
وقد ساعدت هذه المشتريات الجديدة على تعزيز الزخم الصعودي ودفع الأسعار سريعاً فوق مستوى 4300 دولار، ما أعاد الثقة إلى المتعاملين بشأن استمرار الاتجاه الإيجابي على المدى المتوسط.
الفائدة تبقى العامل الحاسم
رغم قوة الارتفاعات الأخيرة، فإن الأنظار تبقى مركزة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الذهب خلال المرحلة المقبلة.
وتشير توقعات الأسواق إلى تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة مقارنة بالأسبوع الماضي، وهو ما شكل دعماً مباشراً للمعدن النفيس. لكن هذه التوقعات لا تزال قابلة للتغيير تبعاً للبيانات الاقتصادية المقبلة، خصوصاً بيانات التضخم وسوق العمل والنمو الاقتصادي.
فإذا استمرت مؤشرات التضخم بالتراجع، فقد يجد الفيدرالي مساحة أكبر للحفاظ على سياسة نقدية أقل تشدداً، الأمر الذي سيصب في مصلحة الذهب. أما إذا عادت الضغوط التضخمية للارتفاع، فقد تتغير الحسابات مجدداً وتتعرض الأسعار لبعض الضغوط.
لذلك ينظر المستثمرون إلى اجتماعات البنك المركزي الأميركي القادمة باعتبارها محطات حاسمة لتحديد اتجاه الذهب خلال النصف الثاني من العام.
هل ما زالت الأسعار جاذبة؟
أحد أكثر الأسئلة تداولاً بين المستثمرين حالياً يتعلق بما إذا كانت المستويات الحالية لا تزال مناسبة للدخول إلى سوق الذهب بعد هذه القفزة القوية.
ويرى العديد من المتخصصين أن الذهب ينبغي التعامل معه كاستثمار طويل الأجل وليس كرهان قصير الأجل على التحركات اليومية. ومن هذا المنطلق، فإن بناء المراكز الاستثمارية تدريجياً وعلى مراحل مختلفة يظل الاستراتيجية الأكثر توازناً.
كما أن التذبذبات الحالية لا تلغي الاتجاه الصاعد العام الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل استمرار مستويات الدين المرتفعة عالمياً، وتزايد الإنفاق الحكومي، والبحث المتواصل عن أدوات تحوط ضد المخاطر الاقتصادية والنقدية.
ويعتقد عدد من المحللين أن أي تراجع نحو مستويات 4200 دولار قد يمثل فرصة جديدة للمستثمرين الراغبين في تعزيز مراكزهم، بينما قد يشكل تجاوز مستوى 4500 دولار إشارة فنية ونفسية مهمة تعزز احتمالات استمرار الصعود.
المعادن النفيسة تلحق بالذهب
لم تكن مكاسب الذهب الحدث الوحيد في سوق المعادن الثمينة، إذ شهدت الفضة والبلاتين والبلاديوم ارتفاعات قوية ومتزامنة عكست تحسن المزاج الاستثماري تجاه القطاع بأكمله.
وسجلت الفضة مكاسـب تجاوزت 3.7 % لتواصل أداءها القوي خلال العام الحالي، مستفيدة من الجمع بين دورها الاستثماري واستخداماتها الصناعية الواسعة. كما ارتفع البلاتين بأكثر من 3 %، بينما قفز البلاديوم بأكثر من 4 % في واحدة من أقوى جلساته خلال الفترة الأخيرة.
وتشير هذه التحركات الجماعية إلى أن المستثمرين لا يراهنون فقط على الذهب، بل على قطاع المعادن النفيسة ككل، في ظل توقعات بانخفاض الضغوط النقدية وتحسن البيئة الاستثمارية العالمية.
كما تعكس المكاسب المتزامنة قناعة متزايدة بأن الطلب الصناعي والاستثماري قد يشهد تحسناً خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا نجحت التفاهمات السياسية في الشرق الأوسط في تعزيز الاستقرار الاقتصادي العالمي.