الذهب يقفز 1 % إلى 4399 دولارا
ارتفعت أسعار الذهب 1 % في تعاملات الأربعاء، مستفيدة من التراجع الطفيف للدولار، في وقت يوازن فيه المستثمرون بين تصاعد التوترات الجيوسياسية وتوقعات التضخم ومسار أسعار الفائدة الأمريكية، وهي عوامل ترسم مجتمعة الاتجاه قصير الأجل للمعدن النفيس.
وصعد الذهب في المعاملات الفورية 1 % إلى 4399.45 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 06:33 بتوقيت غرينتش، فيما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر 0.1 % إلى 4443.20 دولاراً.
وجاءت المكاسب مع بقاء الدولار منخفضاً، ما جعل المعادن المقومة بالعملة الأمريكية أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، ومنح الطلب على الذهب دعماً إضافياً.
لكن تحركات المعدن لا تزال محكومة بتضارب واضح بين عوامل داعمة للصعود وأخرى تضغط في الاتجاه المعاكس، مع ترقب الأسواق بيانات التضخم الأمريكية التي قد تعيد رسم توقعات المستثمرين بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفدرالي.
صراع الاتجاهات
وقال كلفن وونغ، كبير محللي السوق لدى «أواندا»، إن سوق الذهب تشهد صراعاً محتدماً على المدى القصير بين المستثمرين الذين يراهنون على ارتفاع الأسعار وأولئك الذين يتوقعون انخفاضها، مرجحاً استمرار هذا النمط حتى نهاية الأسبوع، عندما تصدر بيانات مؤشر أسعار المستهلكين.
وتضغط التوقعات باتجاه الاحتياطي الفدرالي إلى تشديد السياسة النقدية على أسعار المعدن، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة عادة إلى تقليص جاذبية الذهب الذي لا يقدم عائداً لحائزيه.
لكن هذه الضغوط تقابلها عوامل دعم مهمة، أبرزها الرهانات على تراجع قيمة الدولار والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأمريكي، وهي عوامل تساعد المعدن النفيس على الاحتفاظ بجاذبيته داخل المحافظ الاستثمارية.
ولهذا أصبحت السوق أمام توازن حساس؛ فالذهب يستفيد من ضعف الدولار والمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، لكنه يواجه في الوقت نفسه منافسة أكبر من الأصول المدرة للعائد إذا استمرت أسعار الفائدة في الارتفاع.
اختبار التضخم
وتترقب الأسواق بيانات مؤشر أسعار المنتجين الأمريكي المقرر صدورها الخميس، قبل صدور مؤشر أسعار المستهلكين الجمعة، في اختبار مهم لتحديد اتجاه توقعات الفائدة.
وتكتسب البيانات أهمية أكبر في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، إذ قفز خام برنت للجلسة الرابعة على التوالي، ما يثير مخاوف من أن تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ضغوط تضخمية إضافية في الاقتصاد.
وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» إلى أن المتعاملين يرون احتمالاً بنسبة 60 % لرفع مجلس الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل للسياسة النقدية.
وتمثل هذه الاحتمالات تحدياً مباشراً للذهب. فعلى الرغم من النظر إليه على نطاق واسع باعتباره أداة للتحوط ضد التضخم، فإن الفائدة المرتفعة تزيد جاذبية السندات والأصول التي تدر عائداً، وترفع بالتالي تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.
مخاطر داعمة
في المقابل، وفرت التطورات الجيوسياسية دعماً للذهب بوصفه أحد الملاذات التي يلجأ إليها المستثمرون خلال فترات تصاعد المخاطر.
وقال الحرس الثوري الإيراني إنه أطلق صواريخ باليستية على قاعدة في الأردن يستخدمها الجيش الأمريكي، كما هاجم عشر سفن، بعدما أعلنت الولايات المتحدة تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، في تصعيد حاد للحرب المستمرة منذ ستة أشهر.
ولا يقتصر تأثير هذا التصعيد على زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، إذ يمتد إلى سوق الطاقة أيضاً، ومن ثم إلى توقعات التضخم والفائدة. وبالتالي تعمل المخاطر الجيوسياسية على الذهب عبر أكثر من مسار؛ فهي تدعم الطلب عليه كملاذ، لكنها قد تدفع النفط والتضخم إلى الارتفاع، بما يعزز بدوره احتمالات تشديد السياسة النقدية.
معادن نفيسة
وقالت كيلي شو، خبيرة السلع لدى «ألبين ماكرو»، إن المعادن النفيسة تواجه اختباراً على المدى القريب، لكنها استبعدت حدوث موجة بيع كبيرة أخرى.
وأشارت إلى أن شح المعروض في السوق الفعلية لا يزال عاملاً رئيسياً، فيما قد يستمر العجز الهيكلي في الإمدادات بسبب محدودية مرونة الإنتاج التعديني.
ولفتت إلى استمرار الطلب المرتبط بالتحول نحو الطاقة الكهربائية والإلكترونيات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يوفر بصورة خاصة دعماً جوهرياً للفضة على المدى الطويل.
الذهب ينتظر كلمة التضخم
وبعد ارتفاعه إلى 4399.45 دولاراً للأوقية، يدخل الذهب مرحلة شديدة الحساسية، إذ أصبحت بيانات التضخم الأمريكية العامل الأقرب لحسم اتجاهه قصير الأجل. فالقراءات المرتفعة قد تعزز احتمال رفع الفائدة وتضغط على المعدن، بينما قد تمنحه البيانات الأقل من المتوقع فرصة لمواصلة الصعود. وفي الوقت نفسه، يوفر ضعف الدولار وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والمخاوف المالية الأمريكية دعماً للأسعار. وبين هذه القوى المتعارضة، يبدو الذهب مرشحاً لتحركات متقلبة حتى تتضح صورة التضخم ومسار السياسة النقدية الأمريكية.