الذهب يلمع والدولار يدفعه نحو القمة
قفزت أسعار الذهب خلال تعاملات الجمعة إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أشهر، متجهة إلى تحقيق مكاسب أسبوعية للمرة الثالثة على التوالي، بعدما تعرض الدولار لضغوط بفعل خطة وزارة الخزانة الأميركية لإعادة شراء السندات، بالتزامن مع تجدد الطلب على المعدن الأصفر باعتباره أداة للتحوط في مواجهة مخاطر السياسات العالمية.
وبحلول الساعة 16:29 بتوقيت غرينتش، ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.1 % إلى 4612.17 دولار للأوقية، بعدما سجل خلال الجلسة 4620.14 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 15 مايو. كما قفزت العقود الأميركية الآجلة للذهب بنسبة 2.2 % لتصل إلى 4670.60 دولار للأوقية.
قفزة أسبوعية
وعززت مكاسب الجمعة الأداء القوي للمعدن النفيس منذ بداية الأسبوع، إذ ارتفع الذهب بنحو 5 %، بعدما كان قد سجل يوم الأربعاء أعلى مستوى يومي له منذ أوائل فبراير. ويضع ذلك المعدن الأصفر على طريق تسجيل الأسبوع الثالث على التوالي من المكاسب، في إشارة إلى استمرار الزخم الشرائي رغم المستويات السعرية المرتفعة.
ويأتي الصعود مدعوماً بمزيج من العوامل الفنية والاقتصادية، إذ أدى اختراق مستويات سعرية مهمة إلى زيادة عمليات الشراء، في الوقت الذي وفر فيه ضعف الدولار دفعة إضافية للأسعار. وعادة ما يؤدي تراجع العملة الأميركية إلى جعل الذهب المقوم بالدولار أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، بما يدعم الطلب العالمي.
ويرى بارت ميليك، مدير استراتيجيات السلع الأولية في «تي.دي سيكيوريتيز»، أن العوامل الفنية تلعب دوراً رئيسياً في التحرك الحالي، مشيراً إلى أن مستوى 4700 دولار قد يمثل المحطة التالية للأسعار في حال استمرار الزخم. لكنه أكد في الوقت ذاته أن جانباً كبيراً من الارتفاع يعود إلى تراجع الدولار.
وتحمل هذه المستويات أهمية خاصة للسوق، إذ أصبحت العقود الأميركية الآجلة بالفعل على مسافة محدودة من 4700 دولار، ما يجعل أداء العملة الأميركية وتحركات المستثمرين خلال الجلسات المقبلة عاملين حاسمين في تحديد قدرة الذهب على مواصلة الصعود.
ضغط الدولار
وجاءت الضغوط على الدولار بعدما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الحكومة قد توسع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة بدرجة أكبر، وذلك بعد يوم واحد من كشف الوزارة عن خطط لمضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وتراقب الأسواق هذه الخطوات باهتمام بسبب تأثيرها المحتمل في سوق سندات الخزانة والعوائد والدولار. ومع تراجع العملة الأميركية، وجد الذهب مساحة جديدة للصعود، خصوصاً في ظل استمرار الطلب على أدوات التحوط أمام حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.
كما ظهرت إشارات إلى أن المستثمرين لا يعتمدون فقط على شراء الذهب الفعلي أو العقود الآجلة، بل يزيدون رهاناتهم في سوق الخيارات. وأشارت «غولدمان ساكس» إلى ارتفاع حاد في الطلب على خيارات شراء الذهب، بالتزامن مع تجدد الاهتمام بالتحوط من المخاطر المرتبطة بالسياسات العالمية.
وترى الشركة أن هذا النشاط يمكن أن يخلق آلية تضخيم لتحركات الأسعار في الاتجاهين، إذ يؤدي ازدياد التعاملات في الخيارات إلى تعزيز قوة التحركات سواء عند الصعود أو الهبوط. وهذا يعني أن التقلبات قد تصبح أكبر مع اقتراب الذهب من مستويات سعرية جديدة.
وفي المقابل، بدأت الأسعار القياسية تترك آثاراً واضحة على الطلب الفعلي في بعض الأسواق الرئيسية. ففي الهند، أحد أكبر مستهلكي الذهب عالمياً، دفعت القفزة الأخيرة المشترين الأفراد إلى الإحجام عن الشراء، انتظاراً لانخفاض الأسعار أو ظهور مستويات أكثر جاذبية.
أما في الصين، أكبر سوق استهلاكية للمعدن الأصفر، فظل الطلب مستقراً، ما يوفر قدراً من الدعم للسوق رغم الارتفاعات الكبيرة. ويظل سلوك المستهلكين في البلدين مهماً لتحديد مدى قدرة الطلب الفعلي على مواكبة النشاط الاستثماري القوي.
معادن صاعدة
ولم تقتصر المكاسب على الذهب، إذ امتدت موجة الصعود إلى بقية المعادن النفيسة. وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 2.1 % لتصل إلى 69.52 دولار للأوقية، مواصلة استفادتها من الزخم الذي يسيطر على أسواق المعادن.
كما قفز البلاتين بنسبة 2.8 % إلى 1879.79 دولار للأوقية، فيما صعد البلاديوم 0.6 % إلى 1341.71 دولار. ويشير الارتفاع المتزامن إلى أن شهية المستثمرين تجاه المعادن النفيسة تتجاوز الذهب، رغم اختلاف العوامل التي تحرك الطلب على كل معدن بين الاستخدام الاستثماري والصناعي.
ويبقى الذهب الأكثر استفادة من التحولات الحالية، بفضل دوره التقليدي أداةً للتحوط أمام تقلبات العملات والسياسات الاقتصادية والجيوسياسية. ومع تحقيقه مكاسب أسبوعية بنحو 5 %، أصبحت الأنظار موجهة إلى مدى قدرة الأسعار على الحفاظ على الزخم بعدما وصلت إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ مايو.
حاجز 4700 دولار يدخل الحسابات
يدخل الذهب المرحلة المقبلة بزخم قوي مدعوماً بضعف الدولار وتزايد الطلب الاستثماري والتحوط من مخاطر السياسات العالمية، لكن المستويات المرتفعة قد تزيد في الوقت ذاته احتمالات جني الأرباح وتراجع الطلب الفعلي، كما ظهر في الهند. وبعد وصول السعر الفوري إلى 4620.14 دولار خلال جلسة الجمعة وصعود العقود الأميركية إلى 4670.60 دولار، أصبح مستوى 4700 دولار هدفاً قريباً يراقبه المستثمرون. وستعتمد قدرة المعدن الأصفر على الوصول إليه على استمرار ضعف العملة الأميركية واتجاه سوق السندات وقوة الطلب على أدوات التحوط، بعدما رسخ الذهب موقعه مجدداً باعتباره أحد أبرز المستفيدين من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.