الذهب ينتعش وترقب الفائدة يهيمن عالميا
استعادت أسعار الذهب جزءاً من خسائرها خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما سجل المعدن النفيس أدنى مستوياته في أسبوعين خلال الجلسة، في وقت اتجهت فيه أنظار المستثمرين إلى بيانات التضخم الأميركية المنتظر صدورها لاحقاً، باعتبارها مؤشراً رئيسياً لتحديد المسار المقبل لأسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
وجاء التعافي وسط استمرار التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع أسعار النفط، وهي عوامل زادت من المخاوف بشأن عودة الضغوط التضخمية، في وقت يحاول فيه المستثمرون الموازنة بين الإقبال على الذهب كملاذ آمن، واحتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
تعافٍ محدود
ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.58 % ليصل إلى 4024.07 دولاراً للأوقية، متعافياً من أدنى مستوى له منذ الأول من يوليو، بعدما تعرض لضغوط بيعية قوية في الجلسة السابقة.
وكان المعدن الأصفر قد فقد نحو 3% من قيمته خلال تعاملات الاثنين، مسجلاً أكبر انخفاض يومي له منذ أكثر من شهر، مع اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم للفائدة الأميركية في ظل قفزة أسعار النفط وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ويرى محللون أن حركة الذهب الحالية تعكس حالة من التردد، إذ لا يزال المستثمرون ينتظرون مؤشرات أوضح بشأن التضخم والسياسة النقدية قبل اتخاذ مراكز استثمارية جديدة.
ترقب التضخم
وتتركز أنظار الأسواق على بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأميركي لشهر يونيو، والتي تعد من أهم المؤشرات الاقتصادية القادرة على تغيير توقعات المستثمرين بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
كما يراقب المستثمرون بيانات مؤشر أسعار المنتجين، إضافة إلى الشهادة النصف السنوية الأولى لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أمام الكونغرس، بحثاً عن أي إشارات تتعلق بمستقبل أسعار الفائدة والاقتصاد الأميركي.
ويرى خبراء أن أي قراءة أعلى من المتوقع للتضخم قد تعزز احتمالات رفع الفائدة، بينما قد تمنح البيانات الأضعف الذهب فرصة لتعزيز مكاسبه.
تأثير النفط
وجاءت حالة الحذر في الأسواق بالتزامن مع استمرار ارتفاع أسعار النفط نتيجة تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما زاد المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً.
ويؤدي ارتفاع النفط عادة إلى زيادة الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يمثل تحدياً أمام الذهب، الذي لا يحقق عائداً دورياً مقارنة بالأصول المدرة للفائدة.
ورغم أن الذهب يعد تقليدياً أحد أهم أدوات التحوط ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية، فإن ارتفاع الفائدة يقلل جاذبيته لدى المستثمرين بسبب زيادة العائد على السندات والأدوات النقدية.
مخاطر متعددة
وقال رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في شركة تاستيلايف، إيليا سبيفاك، إن الأسواق تواجه حالياً مجموعة واسعة من المخاطر التي تجعل المستثمرين أكثر حذراً في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
وأوضح أن المتعاملين يراقبون في الوقت نفسه تطورات الشرق الأوسط، وبيانات التضخم الأميركية، وشهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي، وهي عوامل قد تؤثر بصورة مباشرة في اتجاه الأسواق خلال الأيام المقبلة.
ويرى محللون أن اجتماع هذه المتغيرات في توقيت واحد يزيد من حدة التقلبات في أسعار الذهب وبقية الأصول المالية.
رهانات الفائدة
وفي الوقت نفسه، عزز المستثمرون رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال اجتماع سبتمبر المقبل، بعدما ارتفعت احتمالات ذلك إلى نحو 76 % وفق أداة فيد ووتش التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو، مقـارنـة بنحو 57 % قبل أسبوع فقط.
كما قال محافظ الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر إن البنك المركزي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة في المدى القريب إذا أظهرت البيانات استمرار التضخم عند مستويات أعلى من الهدف البالغ 2%.
ويشير محللون إلى أن أي زيادة جديدة في الفائدة قد تحد من مكاسب الذهب، حتى مع استمرار الطلب عليه كملاذ آمن.
المعادن الأخرى
ولم يقتصر التحسن على الذهب، إذ ارتفعت أسعار المعادن النفيسة الأخرى أيضاً، حيث صعـدت الفضـة بنسـبـة 0.66 % إلى 58.03 دولاراً للأوقية بعد ملامسة أدنى مستوياتها في أسبوعين.
كما ارتفع البلاتين بنسبة 0.22 % إلى 1608.70 دولارات، فيما سجل البلاديوم أكبر المكاسب بين المعادن الرئيسية، بعدما صعد بنسبة 1.7 % إلى 1274.09 دولاراً للأوقية. ويعكس هذا الأداء تحسن الطلب الاستثماري على المعادن الثمينة، رغم استمرار حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق العالمية.
الذهب بين الملاذ الآمن وضغوط السياسة النقدية الأميركية
يدخل الذهب مرحلة دقيقة تتداخل فيها العوامل الداعمة مع الضغوط السلبية، إذ يستفيد من تصاعد التوترات الجيوسياسية وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، واحتمالات استمرار تشديد السياسة النقدية الأميركية. ومع ترقب بيانات التضخم وشهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي، ستبقى تحركات المعدن النفيس مرتبطة إلى حد كبير بتوقعات أسعار الفائدة، فيما يواصل المستثمرون البحث عن توازن بين حماية محافظهم الاستثمارية والاستفادة من الفرص التي تتيحها الأسواق العالمية.