الذهب يهبط بأكثر من 20 % منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير
شهدت أسواق المعادن النفيسة موجة بيع قوية دفعت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في أكثر من شهرين، في تطور يعكس تغيراً لافتاً في سلوك المستثمرين تجاه المعدن الذي لطالما اعتُبر الملاذ الآمن الأول خلال فترات الاضطرابــات الجيـوسيـاسية والاقتصاديـة. وجاءت هــذه التراجعات في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً متواصلاً، الأمر الذي كان من المفترض نظرياً أن يوفر دعماً قوياً للذهب، إلا أن تأثيرات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة بدت أكثر قوة من تأثير الطلب التقليدي على الأصول الآمنة.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بأكثر من 2 % ليصل إلى نحو 4172 دولاراً للأونصة، وهو أدنى مستوى يسجله منذ أواخر مارس الماضي، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس إلى ما دون مستوى 4200 دولار. وتعكس هذه التحركات حالة من القلق في الأسواق بشأن الآثار الاقتصادية الممتدة للحرب وتداعياتها على السياسة النقدية العالمية.
صدمة الحرب
منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير الماضي، تعرض الذهب لضغوط متزايدة أدت إلى فقدانه أكثر من خمس قيمته مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلها خلال ذروة التوترات. وعلى الرغم من أن الصراعات العسكرية عادة ما تعزز الإقبال علـــى المعدن النفيـس، فإن طبيعة الأزمة الحالية فرضت معادلة مختلفة.
فالحرب لم تؤد فقط إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية، بل تسببت أيضاً في ارتفاع أسعار النفط والطاقة عالمياً، ما أدى إلى تغذية موجة تضخمية جديدة أثارت مخاوف المستثمرين من استمرار البنوك المركزية في تشديد السياسة النقدية لفترة أطول من المتوقع.
ومع ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والنقل، بدأت الأسواق في إعادة تسعير توقعاتها للتضخم العالمي، وهو ما انعكس مباشرة على توقعات أسعار الفائدة، لتصبح هذه العوامل أكثر تأثيراً على حركة الذهب من عامل التوترات السياسية والأمنية.
التضخم والفائدة
يواجه الذهب معضلة معروفة في الأسواق المالية تتمثل في أن ارتفاع التضخم قد يدعم الطلب عليه باعتباره أداة للتحوط من تآكل القوة الشرائية، إلا أن مواجهة التضخم غالباً ما تتطلب رفع أسعار الفائدة، وهو ما يضغط على المعدن الأصفر.
فالذهب لا يوفر عائداً دورياً لحائزيه، ولذلك يصبح أقل جاذبية عندما ترتفع العوائد على السندات والأدوات المالية الأخرى. ومع تزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية، بدأ المستثمرون بتحويل جزء من استثماراتهم نحو أدوات تحقق عائداً ثابتاً بدلاً من الاحتفاظ بأصول لا تدر دخلاً.
وتشير التحركات الأخيرة في أسواق السندات إلى أن المستثمرين باتوا يتوقعون بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما شكل أحد أبرز أسباب الضغوط البيعية التي تعرض لها الذهب خلال الأسابيع الماضية.
بيانات مرتقبة
تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو بيانات التضخم الأميركية، والتي ينظر إليها باعتبارها عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة. ويترقب المستثمرون صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين تليها بيانات أسعار المنتجين، في محاولة لاستشراف الخطوات المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وتأتي أهمية هذه البيانات بعد صدور أرقام قوية لسوق العمل الأميركي عززت الاعتقاد بأن الاقتصاد لا يزال متماسكاً رغم التحديات الحالية، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة أكبر للإبقاء على السيــاسة النقدية المشددة إذا استمــرت الضغوط التضخمية.
ويؤدي هذا الترقب إلى زيادة حالة الحذر في الأسواق، حيث يفضل كثيــر من المستثمرين تجنب اتخاذ مراكز استثمارية كبيرة قبل اتضاح صورة التضخم واتجاهات أسعار الفائدة.
سيناريو سيتي بنك
أثار تقرير حديث صادر عن «سيتي بنك» اهتماماً واسعاً في الأوساط الاستثمارية بعدما توقع استمرار تراجع أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة. ويرى البنك أن المعدن النفيس قد يفقد نحو 20 % إضافية من قيمته بحلول سبتمبر إذا استمرت الظروف الحالية، خصوصاً في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز خلال فصل الصيف.
ووفقاً لتقديرات البنك، فإن الذهب قد يهبط إلى حدود 3500 دولار للأونصة، وهو مستوى يقل بنحو خمس قيمته مقارنة بالمستويات التي سجلها قبل أيام. ويستند هذا السيناريو إلى فرضية استمرار الضغوط التضخمية العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، الأمر الذي سيدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً.
كما يرى محللو البنك أن الأسواق ربما لم تستوعب بالكامل بعد الآثار الاقتصادية الممتدة للأزمة الحالية، ما يفتح المجال أمام مزيد من التقلبات في أسعار الأصول المختلفة خلال الفترة المقبلة.
مستويات فنية
يرى عدد من المحللين أن الذهب يمر حالياً بمرحلة اختبار فني مهمـة بعـد فقـدانه نسبة كبيرة من مكاسبه السابقة. وتشير التقديرات إلى أن مستوى 4200 دولار للأونصة لم يعد يمثل حاجز دعم قوياً بعد كسره، ما يفتح الباب أمام احتمالات التراجع نحو مستويات أدنى.
ويعتبر مستوى 4100 دولار محطة مراقبة مهمة للمتعاملين، إلا أن كثيراً من الخبراء يرون أنه لا يشكل دعمـاً فنياً حقيقياً بسبب سرعة اختراقه خلال الدورات السابقة. وفي المقابل، يبرز مستوى 4000 دولار باعتباره حاجزاً نفسياً مهماً قد يجذب اهتمام المشترين الباحثين عن فرص استثمارية طويلة الأجل.
وتزداد أهمية هذه المستويات مع دخول الذهب في اتجاه هابط واضح بعد خسارته ما بين 20 و25 % من قيمته مقارنة بالذروة التي سجلها في وقت سابق من العام.
المعادن الأخرى
لم تقتصر الخسائر على الذهب وحده، بل امتدت إلى مختلف المعادن النفيسة التي تعـرضـت لضغــوط متزامنة نتيجــة قوة الدولار وارتفاع العوائد وتزايد المخاوف بشأن تباطؤ الطلب الصناعي.
وتراجعت أسعار الفضة بأكثر من 2 % لتستقر دون مستوى 64 دولاراً للأونصة، بينما سجل البلاتين خسائر تجاوزت 3 % ليتراجع إلى نحو 1674 دولاراً. كما انخفض البلاديوم بشكل محدود مقارنة ببقية المعادن، لكنه بقي تحت ضغط الاتجاه العام الهابط الذي يسيطر على القطاع.
وتعكس هذه التحركات حالة من الحذر بين المستثمرين الذين يفضلون الاحتفاظ بالسيولة أو التوجه نحو أدوات مالية ذات عوائد مرتفعة في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين وارتفاع تكاليف التمويل.
ضغوط استثمارية
إضافة إلى العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، يواجه الذهب ضغوطاً متزايدة من جانب تدفقات المستثمرين نحو أدوات مالية بديلة أكثر جاذبية في البيئة الحالية. فمع ارتفاع العوائد على السندات الحكومية الأميركية واتساع الفارق بينها وبين العائد الصفري الذي يقدمه الذهب، بدأت بعض الصناديق الاستثمارية العالمية في إعادة توزيع أصولها وتقليص انكشافها على المعدن النفيس. كما أن استمرار قوة الدولار نسبياً يزيد من تكلفة شراء الذهب لحائزي العملات الأخرى، ما يحد من الطلب العالمي عليه. ويرى محللون أن عودة التدفقات الاستثمارية إلى الذهب ستظل مرهونة بظهور مؤشرات واضحة على تباطؤ التضخم أو اقتراب البنوك المركزية من إنهاء دورة التشديد النقدي، وهو ما لا يزال غير مؤكد في الوقت الراهن.