الذهب يواصل نزيفه للأسبوع الرابع توالياً
شهدت أسعار الذهب أسبوعاً جديداً من الضغوط القوية، لتسجل خسارتها الأسبوعية الرابعة على التوالي، رغم تعافيها في ختام تعاملات الجمعة، في ظل استمرار قوة الدولار الأميركي وتصاعد رهانات المستثمرين على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل تشديد السياسة النقدية بوتيرة أسرع خلال الأشهر المقبلة لمواجهة الضغوط التضخمية.
ويعكس الأداء الأخير للمعدن النفيس تحولاً واضحاً في اتجاه الأسواق العالمية، إذ انتقلت من التركيز على المخاطر الجيوسياسية التي دعمت الأسعار خلال الأشهر الماضية إلى الاهتمام بالسياسة النقدية الأميركية، والتي أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب، خاصة بعد ارتفاع توقعات رفع أسعار الفائدة أكثر من مرة قبل نهاية العام.
تعافٍ محدود
ورغم إنهاء الذهب جلسة الجمعة على ارتفاع، فإن هذا الصعود لم يكن كافياً لتعويض خسائر الأيام السابقة، إذ ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.54% ليصل إلى 4089 دولاراً للأونصة، إلا أنه أنهى الأسبوع على خسارة بلغت 1.7%.
كما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 1.2% لتغلق عند 4096 دولاراً للأونصة، لكنها سجلت في المقابل خسارة أسبوعية بلغت 3.5%، وهو ما يعكس استمرار الضغوط البيعية على المعدن النفيس، رغم محاولات التعافي التي شهدتها الجلسات الأخيرة.
ويرى محللون أن ارتفاع الجمعة جاء نتيجة عمليات شراء انتهازية بعد الهبوط الكبير الذي تعرض له الذهب خلال الأسبوع، وليس بسبب تغير حقيقي في اتجاه السوق أو تحسن العوامل الأساسية الداعمة للأسعار.
قوة الدولار
ويجمع المحللون على أن العامل الرئيسي وراء موجة الهبوط الحالية يتمثل في الأداء القوي للدولار الأميركي، الذي واصل تحقيق المكاسب أمام معظم العملات الرئيسية، مستفيداً من توقعات استمرار الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم.
وقال كبير محللي الأسواق لدى «أواندا»، كلفن وانغ، إن التغيير السريع في توقعات السياسة النقدية الأميركية نحو مزيد من التشديد خلق زخماً صعودياً قوياً للدولار، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار الذهب، التي تعرضت لضغوط متزايدة طوال الأسابيع الماضية.
ويؤدي ارتفاع الدولار عادة إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، الأمر الذي يقلص الطلب العالمي على المعدن الأصفر، ويضغط على الأسعار في الأسواق الدولية.
قاع جديد
وخلال تداولات الأسبوع، هبط الذهب إلى ما دون مستوى 4000 دولار للأونصة للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، قبل أن يتمكن من التعافي جزئياً مع نهاية الأسبوع.
ويعد مستوى 4000 دولار من أبرز المستويات النفسية والفنية التي تراقبها الأسواق، إذ إن كسره أثار موجة بيع جديدة دفعت كثيراً من المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية تحسباً لاستمرار الهبوط.
ورغم الارتداد اللاحق، فإن الذهب ما زال يتحرك دون العديد من مستويات الدعم التي فقدها خلال الأسابيع الماضية، وهو ما يبقي احتمالات استمرار التصحيح قائمة، خاصة إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية الأميركية في دعم قوة الدولار وارتفاع العوائد على السندات.
تصحيح طويل
ويتوقع كلفن وانغ أن تستمر مرحلة التصحيح الحالية التي بدأت بعد تسجيل الذهب أعلى مستوى تاريخي له في أواخر يناير الماضي، مشيراً إلى أن الأسعار قد تتجه على المدى الطويل نحو مستوى 3400 دولار للأونصة إذا استمرت الظروف الحالية دون تغيرات جوهرية.
وكان الذهب قد سجل ذروة تاريخية عند 5594.82 دولار للأونصة في 29 يناير، مدفوعاً بموجة شراء قوية نتجت عن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وما صاحبها من مخاوف بشأن التضخم العالمي واضطرابات أسواق الطاقة.
إلا أن انحسار جانب من تلك المخاطر، بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية الأميركية، دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم، ليخسر المعدن النفيس نحو 29 % من قيمته مقارنة بأعلى مستوياته التاريخية.
بيانات التضخم
وجاءت بيانات التضخم الأميركية لتضيف مزيداً من الضغوط على الذهب، بعدما أظهرت الأرقام الصادرة الخميس استمرار ارتفاع التضخم خلال مايو، متجاوزاً مستوى 4% للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، وهو ما جاء متوافقاً مع توقعات خبراء الاقتصاد.
وتعزز هذه البيانات قناعة الأسواق بأن الفيدرالي سيواصل رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة، وهو ما يقلل من فرص خفضها في المستقبل القريب، ويمنح الدولار دعماً إضافياً.
ويؤكد محللون أن أي بيانات اقتصادية جديدة تظهر استمرار الضغوط التضخمية ستدفع المستثمرين إلى تعزيز رهاناتهم على مزيد من التشديد النقدي، الأمر الذي قد يبقي الذهب تحت ضغط لفترة أطول.
الفائدة المرتفعة
وعلى الرغم من أن الذهب يعد تقليدياً ملاذاً آمناً للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يضعف جاذبيته، لأنه لا يدر عائداً لحائزيه مقارنة بالأدوات الاستثمارية الأخرى مثل السندات والودائع التي ترتفع عوائدها مع كل زيادة في الفائدة.
وبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة CME، فإن الأسواق تتوقع حالياً تنفيذ ثلاثة زيادات في أسعار الفائدة الأميركية خلال العام الجاري، مع وصول احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر إلى نحو 64 %.
وتدفع هذه التوقعات كثيراً من المستثمرين إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو الأصول المدرة للعائد، وهو ما يفسر استمرار خروج السيولة من أسواق الذهب خلال الأسابيع الأخيرة.
المعادن الأخرى
ولم تقتصر الضغوط على الذهب وحده، إذ تعرضت بقية المعادن النفيسة أيضاً لموجة بيع واسعة، حيث تراجع سعر الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 2.23 % إلى 59.18 دولاراً للأونصة، ليسجل خسارة أسبوعية بلغت 8.8 %، وهي ثاني خسارة أسبوعية متتالية.
ويشير هذا الأداء إلى أن موجة الضغوط الحالية تشمل قطاع المعادن النفيسة بأكمله، مع استمرار ارتفاع الدولار الأميركي، وارتفاع عوائد السندات، وتزايد توقعات تشديد السياسة النقدية، وهي عوامل تحد من جاذبية الأصول التي لا تحقق عائداً دورياً، وفي مقدمتها الذهب والفضة.
ويرى خبراء أن مسار الذهب خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بقرارات الاحتياطي الفيدرالي والبيانات الاقتصادية الأميركية، وفي مقدمتها التضخم وسوق العمل والنمو الاقتصادي، إذ ستحدد هذه المؤشرات اتجاه السياسة النقدية، وبالتالي مستقبل أسعار المعدن الأصفر خلال النصف الثاني من العام.