تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرأسمالية‭ ‬أمام‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية

الرأسمالية‭ ‬أمام‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية

شهدت‭ ‬البشرية‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭ ‬تحولات‭ ‬ديموغرافية‭ ‬عميقة،‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬الإنسان‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬محل‭ ‬اختلاف‭ ‬بين‭ ‬العلماء؛‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يرجع‭ ‬وجود‭ ‬الإنسان‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬مليون‭ ‬سنة،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬شكله‭ ‬الحالي‭ ‬لم‭ ‬يتبلور‭ ‬إلا‭ ‬قبل‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬سنة‭ ‬تقريباً‭. ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬هذه‭ ‬التقديرات،‭ ‬فإن‭ ‬الثابت‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬بدأوا‭ ‬حياتهم‭ ‬ضمن‭ ‬جماعات‭ ‬صغيرة‭ ‬ومتفرقة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوسع‭ ‬أعدادهم‭ ‬تدريجياً‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭.‬
ولم‭ ‬يصل‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مليار‭ ‬نسمة‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وتحديداً‭ ‬عام‭ ‬1820،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬البشرية‭ ‬احتاجت‭ ‬إلى‭ ‬مئات‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭. ‬لكن‭ ‬المشهد‭ ‬تبدّل‭ ‬بصورة‭ ‬دراماتيكية‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬إذ‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬أربعة‭ ‬مليارات‭ ‬نسمة،‭ ‬في‭ ‬قفزة‭ ‬سكانية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬حملت‭ ‬معها‭ ‬تداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬واسعة،‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬ذاته‭.‬
وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬عن‭ ‬ملاحظتين‭ ‬أساسيتين؛‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬السكانية‭ ‬الكبرى‭ ‬تركزت‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬النامي‭ ‬والفقير،‭ ‬بينما‭ ‬شهدت‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬استقراراً‭ ‬سكانياً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬السكان‭. ‬أما‭ ‬الملاحظة‭ ‬الثانية‭ ‬فتتعلق‭ ‬بارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭ ‬بصورة‭ ‬لافتة،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬متوسط‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬45‭ ‬عاماً‭ ‬أو‭ ‬أقل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تجاوز‭ ‬اليوم‭ ‬حاجز‭ ‬70‭ ‬إلى‭ ‬75‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بأن‭ ‬يعيش‭ ‬مواليد‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬حتى‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭.‬

تحولات‭ ‬سكانية

وفي‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تحديداً،‭ ‬يشكل‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬المتسارع‭ ‬تحدياً‭ ‬حقيقياً‭ ‬أمام‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬تحقيق‭ ‬نسب‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الزيادة‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭. ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يفرض‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬وتحقيق‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطط‭ ‬التنموية،‭ ‬وهي‭ ‬شروط‭ ‬يصعب‭ ‬تحقيقها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭.‬
ورغم‭ ‬نجاح‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬السكاني،‭ ‬فإن‭ ‬دولاً‭ ‬أخرى‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭. ‬فاستمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬السكانية‭ ‬يجعل‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاع‭ ‬الأفراد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬ويفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تصاعد‭ ‬القلق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتوترات‭ ‬الداخلية،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬تمتد‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬
وأدى‭ ‬التوسع‭ ‬السكاني‭ ‬المتسارع‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬تحولات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وعمرانية‭ ‬كبيرة،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬تصاعد‭ ‬معدلات‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬الأرياف‭ ‬نحو‭ ‬المدن،‭ ‬وظهور‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«المدن‭ ‬العملاقة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تضم‭ ‬ملايين‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬نطاقات‭ ‬حضرية‭ ‬واسعة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬فرض‭ ‬تحديات‭ ‬متزايدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالإسكان‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة‭ ‬وشبكات‭ ‬النقل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وضغوط‭ ‬معيشية‭ ‬متنامية‭.‬

أعباء‭ ‬الشيخوخة

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭ ‬خلق‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً‭ ‬يفرض‭ ‬أعباء‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الدول،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬غنية‭ ‬أو‭ ‬فقيرة‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬قضية‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتقاعد‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬حساسية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬تأمين‭ ‬اجتماعي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬معدلات‭ ‬العمر‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭.‬
ففي‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬يقضي‭ ‬معظم‭ ‬سنوات‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج،‭ ‬ثم‭ ‬يتقاعد‭ ‬غالباً‭ ‬عند‭ ‬سن‭ ‬الستين‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الخدمة،‭ ‬ليعيش‭ ‬سنوات‭ ‬محدودة‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬صُممت‭ ‬أنظمة‭ ‬التأمين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بحيث‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬اقتطاعات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬من‭ ‬دخل‭ ‬العامل‭ ‬مقابل‭ ‬استفادته‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭ ‬نسبياً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬مالي‭ ‬مستقر‭.‬
وخلال‭ ‬ذروة‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الشائع‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬الأب‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأربعينيات‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نظم‭ ‬التأمين‭ ‬والتقاعد‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتحمل‭ ‬أعباء‭ ‬طويلة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬سنوات‭ ‬العمل‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬تغيّر‭ ‬بصورة‭ ‬جذرية‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يتجاوز‭ ‬70‭ ‬و75‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بارتفاعه‭ ‬أكثر‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‭.‬
معضلة‭ ‬التقاعد

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬ساهم‭ ‬توسع‭ ‬فرص‭ ‬التعليم‭ ‬والدراسات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬تأخير‭ ‬دخول‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬العشرينيات‭ ‬أو‭ ‬بداية‭ ‬الثلاثينيات،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تقلص‭ ‬سنوات‭ ‬العمل‭ ‬الفعلية،‭ ‬مقابل‭ ‬زيادة‭ ‬سنوات‭ ‬التقاعد‭ ‬والحياة‭ ‬بعده‭. ‬وهذه‭ ‬المعادلة‭ ‬الجديدة‭ ‬تضع‭ ‬أنظمة‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أمام‭ ‬اختلالات‭ ‬مالية‭ ‬متزايدة،‭ ‬قد‭ ‬تنعكس‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬عجز‭ ‬أكبر‭ ‬داخل‭ ‬الموازنات‭ ‬الحكومية‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬تتصاعد‭ ‬الدعوات‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬التقاعد،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تحسن‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬وارتفاع‭ ‬القدرة‭ ‬البدنية‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬بعد‭ ‬سن‭ ‬الستين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬خبراتهم‭ ‬المتراكمة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تمديد‭ ‬سنوات‭ ‬العمل‭ ‬يثير‭ ‬بدوره‭ ‬تحدياً‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬فرص‭ ‬التوظيف‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬الحكومات‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬معقدة‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استدامة‭ ‬أنظمة‭ ‬التقاعد‭ ‬وتأمين‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬للمقبلين‭ ‬الجدد‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬تطور‭ ‬صحي‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬كبرى،‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬سياساتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمالية‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬المتسارعة‭.‬

أسواق‭ ‬جديدة

ولن‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭ ‬على‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬أنظمة‭ ‬الضمان‭ ‬والتأمين‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تفرضه‭ ‬من‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬الضرائب‭ ‬والإنفاق‭ ‬الحكومي،‭ ‬بل‭ ‬ستمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬فحتى‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬تركز‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬المتوسطة‭ ‬باعتبارها‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬الرئيسية،‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬يمثلون‭ ‬شريحة‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاستهلاك‭.‬
لكن‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬شهد‭ ‬تحولاً‭ ‬كبيراً‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الأسواق‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬مدفوعين‭ ‬بتغير‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬انشغال‭ ‬الوالدين‭ ‬بالعمل‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬ذلك‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬إلى‭ ‬تعويض‭ ‬غيابها‭ ‬بتوفير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والوسائل‭ ‬الترفيهية‭ ‬للأبناء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬استغلته‭ ‬الشركات‭ ‬المنتجة‭ ‬لتوسيع‭ ‬أسواقها‭ ‬نحو‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬انجذاباً‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬ومتغير‭.‬
ومع‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬تبدو‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬فئة‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬باعتبارها‭ ‬شريحة‭ ‬استهلاكية‭ ‬واسعة‭ ‬ومؤثرة‭. ‬فارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭ ‬وتحسن‭ ‬الظروف‭ ‬الصحية‭ ‬جعلا‭ ‬من‭ ‬المتقاعدين‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬سوقاً‭ ‬متنامية‭ ‬للخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬والترفيهية‭ ‬والسياحية‭ ‬والرعاية‭ ‬المتخصصة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬منتجات‭ ‬وأنشطة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬المتزايدة‭ ‬عدداً‭ ‬وتأثيراً‭.‬

أزمة‭ ‬الموارد

ومع‭ ‬اتساع‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬برزت‭ ‬تساؤلات‭ ‬متزايدة‭ ‬حول‭ ‬قدرة‭ ‬الموارد‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬المتسارع‭. ‬فبعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬موجة‭ ‬ازدهار‭ ‬اقتصادي‭ ‬واسعة‭ ‬استمرت‭ ‬قرابة‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬خفف‭ ‬مؤقتاً‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالزيادة‭ ‬السكانية‭. ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬انعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬بوخارست‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬بمشاركة‭ ‬135‭ ‬دولة،‭ ‬حيث‭ ‬ركزت‭ ‬التوصيات‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬الوثيقة‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والنمو‭ ‬السكاني،‭ ‬دون‭ ‬إظهار‭ ‬قلق‭ ‬حاد‭ ‬من‭ ‬التزايد‭ ‬السكاني‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬النفط‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬ونقص‭ ‬الإمدادات،‭ ‬أعادت‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬التساؤلات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بقدرة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التوسع‭ ‬السكاني‭ ‬العالمي‭. ‬وبدأ‭ ‬الاهتمام‭ ‬يتزايد‭ ‬مجدداً‭ ‬بمشكلة‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬التقليدية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬المناخ،‭ ‬صدر‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬حدود‭ ‬النمو‮»‬‭ ‬عن‭ ‬نادي‭ ‬روما‭ ‬عام‭ ‬1972،‭ ‬ليعيد‭ ‬طرح‭ ‬أفكار‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬سقف‭ ‬لقدرة‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسكاني‭ ‬دون‭ ‬قيود،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬نتيجة‭ ‬التلوث‭ ‬والمخلفات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬والإنتاجي‭.‬

التحذير‭ ‬البيئي

كما‭ ‬شهد‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭ ‬انعقاد‭ ‬مؤتمر‭ ‬البيئة‭ ‬في‭ ‬ستوكهولم‭ ‬برعاية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الاستنزاف‭ ‬البيئي‭ ‬وتراجع‭ ‬الموارد‭ ‬الأساسية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والمياه‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬مؤشرات‭ ‬التصحر‭ ‬والجفاف‭ ‬والتغير‭ ‬المناخي،‭ ‬بدأت‭ ‬تتبلور‭ ‬قناعة‭ ‬عالمية‭ ‬بأن‭ ‬التوسع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسكاني‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬قد‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬وجودية‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

رجوع لأعلى