الرأسمالية تتحول إلى كازينو عالمي
لم تعد الرأسمالية الحديثة تُقاس بحجم المصانع أو أعداد العمال أو خطوط الإنتاج كما كان الحال خلال الثورة الصناعية، بل أصبحت تُقاس اليوم بحجم التدفقات المالية والمضاربات وأسواق الدين والعقارات. ففي العقود الأخيرة، شهد الاقتصاد العالمي تحولاً عميقاً نقل مركز الثقل من الصناعة التقليدية إلى القطاع المالي، لتصبح الأرباح الضخمة تتحقق من الفوائد والإيجارات والاحتكارات أكثر مما تتحقق من التصنيع والإنتاج الفعلي. وفي هذا السياق، يعود المفكر والجغرافي البريطاني ديفيد هارفي إلى أفكار كارل ماركس، لكن من زاوية جديدة تحاول تفسير طبيعة الرأسمالية المعاصرة التي تختلف جذرياً عن النموذج الصناعي الذي ساد في القرن التاسع عشر.
قراءة جديدة
في كتابه الجديد «قصة رأس المال»، لا يكتفي هارفي بإعادة شرح أفكار ماركس التقليدية، بل يسعى إلى تحديثها وربطها بعصر العولمة المالية وهيمنة البنوك والمؤسسات الاستثمارية العملاقة. ويرى أن كثيراً من القراءات الماركسية القديمة ركزت بشكل شبه كامل على علاقة العامل بالمصنع واستغلال اليد العاملة، لكنها تجاهلت التحولات الكبرى التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية، خصوصاً صعود قطاعات التمويل والتأمين والعقارات بوصفها القوى الأكثر تأثيراً في حركة رأس المال العالمي.
ويؤكد هارفي أن الجزأين الثاني والثالث من كتاب «رأس المال» لماركس يحتويان على تحليلات مهمة تتعلق بالائتمان والفوائد والدين ورأس المال المالي، إلا أن كثيراً من الدراسات ركزت فقط على الجزء الأول المتعلق بالإنتاج الصناعي والعمل، ما أدى إلى إغفال التأثير المتزايد للقطاع المالي في تشكيل الاقتصاد الحديث. ويرى أن هذا القصور جعل التحليل التقليدي غير قادر على تفسير طبيعة الرأسمالية الحالية التي أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على المضاربات والاحتكارات والديون العالمية.
قطاع متضخم
ويستشهد هارفي بطرح الاقتصادي الأمريكي مايكل هدسون، الذي يرى أن العديد من الاقتصاديين الماركسيين تجاهلوا ما يُعرف بقطاع «التمويل والتأمين والعقارات»، رغم أنه أصبح القلب الحقيقي للنظام الاقتصادي العالمي. فالأرباح اليوم لا تأتي فقط من تشغيل العمال داخل المصانع، بل من الفوائد البنكية والإيجارات والهيمنة على الأسواق والأصول العقارية. وبحسب هارفي، فإن الرأسمالية الحديثة عادت بصورة ما إلى منطق «الريعية» الذي كان سائداً خلال العصور الإقطاعية، حيث تتحقق الثروة عبر السيطرة والاحتكار بدلاً من الإنتاج المباشر.
ويشير إلى أن حتى الرأسمالي الصناعي نفسه بات خاضعاً لنفوذ الشركات التجارية العملاقة والمؤسسات المالية الكبرى، إذ أصبحت شركات التجزئة العالمية والبنوك وصناديق الاستثمار تمتلك قدرة هائلة على التحكم في الأسواق وسلاسل التوريد والأسعار. كما أن ملاك الأراضي والموارد الطبيعية ما زالوا يقتطعون جزءاً ضخماً من الثروة العالمية، ما يعزز الطابع الريعي للنظام الاقتصادي الحديث.
خريطة الاقتصاد
وبصفته متخصصاً في الجغرافيا النقدية، ينظر هارفي إلى الرأسمالية باعتبارها نظاماً يقوم على التوسع الجغرافي والسيطرة على الأسواق والبنية التحتية. فهو يرى أن رأس المال يتحرك باستمرار بحثاً عن فرص جديدة للتراكم، بدءاً من تحويل المال إلى استهلاك، ثم إلى إنتاج للسلع والخدمات، وبعدها إلى تحقيق فائض القيمة قبل العودة مجدداً إلى المال بصورة أكبر. لكن هذه العملية، وفقاً له، لا تسير بشكل دائري ثابت، بل تتحول إلى دوامة متسارعة من التوسع المستمر الذي ينتج كميات هائلة من الثروة والتفاوت الاقتصادي.
ويحذر هارفي من أن هذا التوسع اللامحدود بات يشكل خطراً اقتصادياً وبيئياً في آن واحد، لأن الرأسمالية بطبيعتها تسعى دائماً إلى المزيد من النمو والإنتاج، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وارتفاع مستويات التلوث والانبعاثات الحرارية. كما أن الاقتصاد العالمي بات يواجه مشكلة متزايدة تتمثل في تراكم كميات ضخمة من رأس المال لا تجد فرصاً مربحة للاستثمار، في ظل ضعف الطلب العالمي وتراجع القوة الشرائية نتيجة سياسات التقشف وضعف الأجور.
أرقام ضخمة
ولإظهار حجم التوسع الرأسمالي، يشير هارفي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي ارتفع من نحو 9.25 تريليونات دولار عام 1950 إلى قرابة 94.9 تريليون دولار بحلول عام 2011، أي أكثر من عشرة أضعاف خلال ستة عقود فقط. كما يلفت إلى التجربة الصينية التي قادت النمو العالمي بعد الأزمة المالية عبر طفرة ضخمة في مشاريع البنية التحتية، موضحاً أن الصين استهلكت خلال عامين فقط كميات من الأسمنت تجاوزت ما استهلكته الولايات المتحدة خلال قرن كامل، في مؤشر على الحجم غير المسبوق لعمليات التراكم الرأسمالي وتأثيراتها البيئية الهائلة.
كازينو عالمي
ويرى هارفي أن الأزمة المالية العالمية بين 2007 و2009 كشفت بوضوح طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد، حيث أصبحت المضاربات والأسواق المالية تلعب الدور الأكبر في صناعة الثروات والأزمات معاً. ففي كثير من القطاعات الحديثة، لا تتحقق الأرباح الأساسية من الإنتاج الصناعي التقليدي، بل من الاحتكار والسيطرة على الأسواق وفرض الأسعار المرتفعة، كما يحدث في قطاع الأدوية الأمريكي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفوذ التنظيمي والتسعير الاحتكاري لتحقيق أرباح ضخمة.
وفي النهاية، يصل هارفي إلى خلاصة مفادها أن الرأسمالية الصناعية لم تعد سوى جزء متراجع من اقتصاد عالمي تحكمه المضاربات والفوائد والإيجارات والديون، وهو ما دفع بعض الاقتصاديين إلى وصف النظام الحالي بأنه «كازينو عالمي» تتحرك فيه رؤوس الأموال بسرعة هائلة بحثاً عن الأرباح السريعة بعيداً عن الاقتصاد الحقيقي. ومن هنا، يؤكد أن فهم الرأسمالية الحديثة يتطلب تجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالمصنع والعامل، والانتقال إلى تحليل أعمق لدور البنوك والقطاع المالي والاحتكارات في تشكيل الاقتصاد العالمي المعاصر.