تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية

KK.33 1

منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الصناعية‮»‬‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وفكرية،‭ ‬ظهرت‭ ‬أنظمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والاشتراكية،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالتقدم‭ ‬التقني‭ ‬الذي‭ ‬غيّر‭ ‬شكل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والحياة‭ ‬اليومية‭. ‬واليوم،‭ ‬ومع‭ ‬التسارع‭ ‬المتواصل‭ ‬في‭ ‬الابتكارات‭ ‬الحديثة،‭ ‬يبرز‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬الوجهة‭ ‬المقبلة‭ ‬للتطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وتأثيراته‭ ‬المستقبلية‭.‬
ورغم‭ ‬صعوبة‭ ‬التنبؤ‭ ‬بدقة‭ ‬بما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬القادمة،‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬المسار‭ ‬التاريخي‭ ‬للتطور‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭ ‬تمنح‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬التحولات‭ ‬المحتملة،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬ارتبطت‭ ‬بقفزات‭ ‬علمية‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭.‬
وشهدت‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬الأولى‭ ‬انطلاقة‭ ‬كبرى‭ ‬مع‭ ‬استخدام‭ ‬الطاقة‭ ‬البخارية،‭ ‬حيث‭ ‬تمكن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬قوى‭ ‬الطبيعة‭ ‬وفق‭ ‬القوانين‭ ‬العلمية‭ ‬لأداء‭ ‬الأعمال‭ ‬الميكانيكية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬سابقاً‭ ‬على‭ ‬الجهد‭ ‬البشري‭ ‬أو‭ ‬الحيواني،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الرياح‭ ‬والمياه‭ ‬كمصادر‭ ‬للطاقة‭. ‬وشكل‭ ‬اختراع‭ ‬الآلة‭ ‬البخارية‭ ‬نقطة‭ ‬التحول‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوسع‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬لتشمل‭ ‬الفحم‭ ‬ثم‭ ‬الكهرباء‭ ‬والبترول‭ ‬والغاز‭ ‬والطاقة‭ ‬النووية‭ ‬لاحقاً‭.‬

التحول‭ ‬الصناعي
واعتمدت‭ ‬تلك‭ ‬الموجة‭ ‬الصناعية‭ ‬بصورة‭ ‬رئيسية‭ ‬على‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الفيزياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬والرياضيات،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬قدرات‭ ‬الإنسان‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتطوير‭ ‬الصناعات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الآلات‭ ‬الميكانيكية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إحداث‭ ‬طفرة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬مثل‭ ‬القطارات‭ ‬والسيارات‭ ‬والسفن‭ ‬والطائرات‭. ‬وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬بكميات‭ ‬ضخمة‭ ‬وبكلفة‭ ‬أقل،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تقليص‭ ‬المسافات‭ ‬وتعزيز‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والتواصل‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات‭.‬
ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬تمحورت‭ ‬حول‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الإلكترونيات‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬دور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬العضلية‭ ‬والإنتاج‭ ‬الصناعي،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬القدرات‭ ‬الذهنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تخزين‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحليلها‭ ‬ونقلها‭ ‬بسرعات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬انتشار‭ ‬الهواتف‭ ‬المحمولة‭ ‬وأجهزة‭ ‬التلفزيون‭ ‬والحواسيب‭ ‬والإنترنت،‭ ‬وهي‭ ‬أدوات‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بتوفير‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬بل‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬الإمكانات‭ ‬العقلية‭ ‬للإنسان،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬العمليات‭ ‬الحسابية‭ ‬المعقدة‭ ‬أو‭ ‬حفظ‭ ‬البيانات‭ ‬أو‭ ‬التواصل‭ ‬الصوتي‭ ‬والمرئي‭ ‬عبر‭ ‬القارات‭.‬
الثورة‭ ‬الرقمية

كما‭ ‬لم‭ ‬يرتكز‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬على‭ ‬الإلكترونيات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬ارتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بتقدم‭ ‬علوم‭ ‬الرياضيات‭ ‬والمنطق‭ ‬والبرمجة‭ ‬ونظريات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وبحوث‭ ‬العمليات،‭ ‬ما‭ ‬أوجد‭ ‬تمايزاً‭ ‬بين‭ ‬الجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبنية‭ ‬الإلكترونية‭ ‬الصلبة،‭ ‬وبين‭ ‬البرمجيات‭ ‬والأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الخوارزميات‭ ‬والتحليل‭ ‬المنطقي‭.‬
وباتت‭ ‬البرمجيات‭ ‬وتطوير‭ ‬الأنظمة‭ ‬الرقمية‭ ‬اليوم‭ ‬تمثل‭ ‬المحرك‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التنوع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬التطبيقات‭ ‬والبرامج‭ ‬الذكية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭ ‬الحديث‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬تكامل‭ ‬علوم‭ ‬الاتصالات‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬مع‭ ‬الرياضيات‭ ‬والمنطق‭ ‬وعلوم‭ ‬البرمجة‭ ‬المتقدمة‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الموجة‭ ‬الأولى‭ ‬للتطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬برزت‭ ‬قطاعات‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات‭ ‬كأكثر‭ ‬القطاعات‭ ‬استفادة‭ ‬من‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬للثورة‭ ‬التقنية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تحولاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬عملها‭.‬

الاقتصاد‭ ‬الرقمي

فمع‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والمعلومات،‭ ‬أصبحت‭ ‬الثروات‭ ‬والتدفقات‭ ‬المالية‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬رموز‭ ‬وإشارات‭ ‬إلكترونية،‭ ‬بينما‭ ‬تراجعت‭ ‬النقود‭ ‬الورقية‭ ‬تدريجياً‭ ‬أمام‭ ‬انتشار‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬وأنظمة‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمي‭. ‬كما‭ ‬تحولت‭ ‬الأموال‭ ‬المودعة‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬إلى‭ ‬قيود‭ ‬محاسبية‭ ‬إلكترونية،‭ ‬تنتقل‭ ‬عبر‭ ‬الشبكات‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الأوراق‭ ‬أو‭ ‬التعاملات‭ ‬التقليدية‭.‬
وأصبح‭ ‬عالم‭ ‬الاتصالات‭ ‬والتلفزيون‭ ‬والموسيقى‭ ‬والألعاب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القطاعات‭ ‬المستفيدة‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬بدأت‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الطابع‭ ‬الافتراضي،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬والترفيه‭ ‬والتفاعلات‭ ‬تتم‭ ‬داخل‭ ‬بيئات‭ ‬رقمية‭ ‬وافتراضية‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التسارع‭ ‬التقني،‭ ‬يظل‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يتجه‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬المستقبل؟‭ ‬ورغم‭ ‬غياب‭ ‬الإجابة‭ ‬الحاسمة،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الموجة‭ ‬القادمة‭ ‬قد‭ ‬تتشكل‭ ‬حول‭ ‬علوم‭ ‬الفضاء‭ ‬والبيولوجيا‭ ‬والجينات‭ ‬والأعصاب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تقنيات‭ ‬النانو‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬إمكانات‭ ‬هائلة‭ ‬لتغيير‭ ‬شكل‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭.‬

آفاق‭ ‬مستقبلية

وتفتح‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬آفاقاً‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬قد‭ ‬جعلت‭ ‬الآلة‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬العضلات‭ ‬البشرية‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬ثورة‭ ‬المعلومات‭ ‬لتدفع‭ ‬الآلة‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬القدرات‭ ‬العقلية‭ ‬والتحليلية‭ ‬للإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬الموجات‭ ‬المقبلة‭ ‬قد‭ ‬تنقل‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وغموضاً‭.‬
فأبحاث‭ ‬الفضاء‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬أبواباً‭ ‬للتوسع‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الأرض،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قد‭ ‬تمنح‭ ‬علوم‭ ‬الوراثة‭ ‬والجينات‭ ‬الإنسان‭ ‬قدرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬أسرار‭ ‬الحياة‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬خصائصه‭ ‬البيولوجية،‭ ‬أما‭ ‬تقنيات‭ ‬النانو‭ ‬فتفتح‭ ‬المجال‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الدقيق‭ ‬للجزيئات‭ ‬والذرات‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تطبيقات‭ ‬علمية‭ ‬وصناعية‭ ‬واسعة‭.‬
ومع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الاحتمالات،‭ ‬يبقى‭ ‬المستقبل‭ ‬التكنولوجي‭ ‬مفتوحاً‭ ‬على‭ ‬فرص‭ ‬هائلة‭ ‬وتحديات‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬ضخامة،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتغير‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

التمويل‭ ‬العلمي

ويرتبط‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بحجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المخصصة‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتطوير،‭ ‬فأبحاث‭ ‬الفضاء‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي،‭ ‬بينما‭ ‬تشهد‭ ‬مجالات‭ ‬البيولوجيا‭ ‬والجينات‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬النانو‭ ‬مشاركة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬الكبرى،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬برؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬المغامرة،‭ ‬وهي‭ ‬الصناديق‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التي‭ ‬تضخ‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬العلمية‭ ‬الناشئة‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬اختراقات‭ ‬تقنية‭ ‬تدر‭ ‬عوائد‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬
وقد‭ ‬انتشرت‭ ‬هذه‭ ‬الصناديق‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬العلمية‭ ‬والبحثية‭ ‬في‭ ‬بوسطن‭ ‬وكاليفورنيا،‭ ‬حيث‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬والمشروعات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يبقى‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التفوق‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬فمع‭ ‬بداية‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬كانت‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬المركز‭ ‬الرئيسي‭ ‬للبحوث‭ ‬والتطبيقات‭ ‬العلمية،‭ ‬ومنها‭ ‬انطلقت‭ ‬التحولات‭ ‬الصناعية‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬ومع‭ ‬ظهور‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬للتطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬انتقل‭ ‬ثقل‭ ‬الابتكار‭ ‬العلمي‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬المرجع‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬البحوث‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتقدمة‭.‬

الدور‭ ‬الآسيوي

أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فتشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬الدور‭ ‬الآسيوي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعليم‭ ‬والابتكار،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬سنغافورة‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬واليابان،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحتفظ‭ ‬بصدارتها‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الأبحاث‭ ‬العلمية‭ ‬والتطبيقية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬شريكاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭.‬
ومع‭ ‬اتساع‭ ‬أثر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التحولات‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الصناعة‭ ‬والاتصالات،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬

ترابط‭ ‬عالمي

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬أصبح‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬شروط‭ ‬النجاح‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدول‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭ ‬أيضاً،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تشابك‭ ‬الأسواق‭ ‬والأنظمة‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬وتزايد‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

رجوع لأعلى