النفط يتراجع رغم تهديدات ترمب… والأسواق تترقب مصير هرمز
شهدت أسواق النفط العالمية تراجعاً ملحوظاً خلال تعاملات الأربعاء، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، في مشهد يعكس حالة معقدة من الحذر والترقب داخل الأسواق العالمية. وبينما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية تسجيل أسعار الخام قفزات جديدة مع تصاعد التصريحات الأمريكية تجاه طهران، فإن رد فعل الأسواق جاء أكثر هدوءاً، ما يعكس قناعة متزايدة لدى المتعاملين بأن التهديدات السياسية لم تعد كافية وحدها لدفع الأسعار إلى مستويات أعلى دون وجود تعطّل فعلي وكبير للإمدادات العالمية.
وهبط خام برنت إلى ما دون مستوى 111 دولاراً للبرميل، فيما اقترب خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي من مستوى 104 دولارات، وذلك بعد موجة تراجعات متواصلة صاحبت هبوط الأسهم الآسيوية وارتفاع عوائد السندات الأمريكية. ويبدو أن الأسواق بدأت تنظر إلى التصريحات الأمريكية الأخيرة باعتبارها جزءاً من أدوات الضغط السياسي أكثر من كونها مؤشراً مؤكداً على عودة الحرب بشكل واسع.
ضغوط الأسواق
ويأتي هذا التراجع في وقت تتصاعد فيه التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي عاد مجدداً للتلويح بإمكانية توجيه ضربات عسكرية كبيرة ضد إيران إذا لم تستجب للمطالب الأمريكية المتعلقة ببرنامجها النووي. وأكد ترمب أن المهلة أمام طهران قصيرة للغاية، مشيراً إلى أن الحسم قد يتم خلال أيام قليلة فقط.
ورغم اللهجة التصعيدية، فإن الأسواق النفطية لم تُبدِ رد فعل عنيفاً كما كان يحدث في أزمات سابقة. ويرى محللون أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً بعد سلسلة من التهديدات السابقة التي انتهت دون تصعيد واسع النطاق، خصوصاً بعد اتفاق الهدنة الذي جرى التوصل إليه في أبريل الماضي.
هذا التحول في سلوك المستثمرين يعكس حالة من التشبع تجاه الأخبار السياسية، إذ باتت الأسواق تتطلب مؤشرات ميدانية فعلية مثل استهداف منشآت نفطية أو إغلاق كامل لممرات الشحن حتى تبدأ موجات شراء ضخمة تدفع الأسعار للصعود الحاد.
هرمز تحت الضغط
ويبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية، نظراً لكونه ممراً أساسياً لعبور جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. ومع استمرار الحرب ودخولها أسبوعها الثاني عشر، تعرضت حركة الملاحة في المضيق لضغوط شديدة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وخلق مخاوف واسعة من حدوث اختناقات طويلة الأمد في الإمدادات.
وتشير التقديرات إلى أن أي إغلاق كامل أو شبه كامل للمضيق يمكن أن يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة تتجاوز بسهولة حاجز 130 دولاراً للبرميل، وهو ما يفسر استمرار حالة التوتر داخل الأسواق حتى مع التراجعات الحالية.
وفي هذا السياق، برزت تقارير تفيد بأن حلف شمال الأطلسي يناقش خيارات لتأمين عبور السفن التجارية وناقلات النفط عبر مضيق هرمز في حال استمرار تعطل الملاحة حتى أوائل يوليو المقبل. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة غربية لمنع تحول أزمة الخليج إلى أزمة طاقة عالمية شاملة.
كما أن أي نجاح محتمل للناتو في إنشاء ممرات بحرية آمنة قد يسهم في تهدئة الأسواق وخفض الضغوط السعرية، لأنه سيعني استمرار تدفق الإمدادات حتى في ظل التوترات العسكرية.
رهانات متضاربة
وفي الوقت الذي يراهن فيه البعض على استمرار ارتفاع الأسعار بسبب المخاطر الجيوسياسية، ظهرت رهانات ضخمة داخل الأسواق المالية على احتمال هبوط خام برنت خلال الفترة المقبلة، ما يعكس انقساماً واضحاً بين المستثمرين حول الاتجاه القادم للأسعار.
وشهدت الأسواق تداول صفقة ضخمة مرتبطة بخيارات بيع على خام برنت تعادل نحو 134 مليون برميل دفعة واحدة، وهي من أكبر الصفقات التي تم تنفيذها خلال الأشهر الأخيرة. وأثارت هذه الصفقة جدلاً واسعاً داخل الأوساط المالية، خاصة أنها جاءت في وقت تتسم فيه الأسواق بحساسية شديدة تجاه أي تدفقات مالية غير معتادة.
ويرى مراقبون أن هذه الرهانات تعكس اعتقاد بعض المستثمرين بأن الأزمة الحالية لن تستمر لفترة طويلة، أو أن المجتمع الدولي سيتمكن في النهاية من فرض حلول تضمن استمرار تدفق النفط عبر الخليج دون انقطاع كامل.
في المقابل، يعتقد آخرون أن مجرد استمرار التوترات الحالية يكفي للإبقاء على الأسعار عند مستويات مرتفعة، حتى في حال عدم حدوث تصعيد عسكري جديد، خصوصاً مع استمرار الضغوط على المخزونات العالمية.
المخزونات الأمريكية
ومن بين العوامل التي حدّت من تراجع أسعار النفط، ظهور مؤشرات على انخفاض قوي في المخزونات الأمريكية. وأظهر تقرير أولي للقطاع أن مخزونات الخام في الولايات المتحدة تراجعت بنحو 9.1 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي، وهو ما قد يمثل أكبر انخفاض أسبوعي منذ سبتمبر الماضي إذا أكدت البيانات الرسمية ذلك.
ويشير هذا الانخفاض إلى استمرار قوة الطلب داخل السوق الأمريكية، إضافة إلى تراجع المعروض المتاح، وهو ما يمنح الأسعار بعض الدعم الأساسي رغم التراجعات الأخيرة.
كما يبرز عامل آخر يتمثل في تمسك البيت الأبيض بعدم فرض قيود على صادرات النفط الأمريكية، حتى مع انخفاض المخزونات المحلية، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على دور الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للطاقة للأسواق العالمية.
لكن هذا النهج يثير انتقادات داخلية متزايدة، إذ يرى البعض أن استمرار تصدير الخام بكثافة في ظل تراجع المخزون المحلي قد يزيد من هشاشة السوق الأمريكية إذا تفاقمت الأزمة العالمية.
التضخم والطاقة
وعادت المخاوف التضخمية بقوة إلى الواجهة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، حيث أدى اضطراب الملاحة في الخليج إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري وأسعار الوقود، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات في العديد من الاقتصادات.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى إبطاء خطط البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث ما تزال معركة السيطرة على التضخم تمثل أولوية رئيسية لصناع القرار.
كما أن ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة قد يضغط على معدلات النمو الاقتصادي العالمية، خاصة في الدول المستوردة للطاقة التي تعاني أساساً من تباطؤ اقتصادي وارتفاع تكاليف التمويل.
ويحذر اقتصاديون من أن العالم قد يواجه موجة تضخم جديدة إذا استمرت أزمة الخليج خلال النصف الثاني من العام، وهو ما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الأسواق المالية والعملات وأسواق الأسهم.
التصعيد الأمريكي
وفي تطور آخر يزيد من تعقيد المشهد، صادرت الولايات المتحدة ناقلة مرتبطة بإيران في المحيط الهندي، في خطوة تمثل ثالث عملية من هذا النوع تستهدف ما يُعرف بأسطول الظل الإيراني المستخدم لنقل النفط بعيداً عن العقوبات.
وتسعى واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على طهران وتقليص قدرتها على تصدير النفط، لكن هذه التحركات تزيد في المقابل من احتمالات التصعيد البحري وتوسيع دائرة المواجهة.
ويرى خبراء أن استمرار عمليات المصادرة قد يدفع إيران إلى اتخاذ إجراءات مضادة ضد السفن الغربية أو ناقلات النفط المرتبطة بحلفاء الولايات المتحدة، ما قد يرفع مستوى المخاطر في المنطقة بشكل كبير.
كما أن أي مواجهة مباشرة في الممرات البحرية ستكون لها تداعيات فورية على أسعار النفط العالمية، نظراً لحساسية الأسواق تجاه أمن الإمدادات القادمة من الخليج.
ترقب عالمي
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الأسواق العالمية في حالة ترقب شديدة لأي تطورات جديدة خلال الأيام المقبلة، خاصة مع اقتراب انتهاء المهلة التي تحدث عنها ترمب بشأن إيران.
ويحاول المستثمرون حالياً الموازنة بين احتمالين متناقضين؛ الأول يتمثل في عودة التصعيد العسكري بشكل واسع وما قد يرافقه من قفزات ضخمة في أسعار النفط، والثاني يتمثل في نجاح الضغوط الدولية في منع انفجار الوضع وإعادة فتح مسارات الملاحة تدريجياً.
وفي كلتا الحالتين، فإن أسواق الطاقة تبدو مقبلة على فترة طويلة من التقلبات الحادة، إذ أصبحت الجغرافيا السياسية مجدداً العامل الأكثر تأثيراً في حركة الأسعار العالمية.
ويرى محللون أن النفط لم يعد يتحرك فقط وفق معادلات العرض والطلب التقليدية، بل بات رهينة للتوازنات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي تصريح أو تحرك ميداني قادراً على تغيير اتجاهات السوق خلال ساعات قليلة.
وفي ظل استمرار الحرب وتزايد الضغوط على مضيق هرمز، يبقى السؤال الأهم داخل الأسواق العالمية: هل تتجه الأزمة نحو مواجهة أوسع تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية، أم أن الضغوط السياسية ستقود في النهاية إلى تسوية تمنع العالم من الدخول في صدمة نفطية جديدة؟