تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السعودية‭ ‬تكبح‭ ‬هدر‭ ‬الغذاء‭ ‬والمياه‭ ‬تدريجياً

السعودية‭ ‬تكبح‭ ‬هدر‭ ‬الغذاء‭ ‬والمياه‭ ‬تدريجياً

لم‭ ‬يعد‭ ‬هدر‭ ‬الغذاء‭ ‬والمياه‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬مجرد‭ ‬سلوك‭ ‬استهلاكي‭ ‬مرتبط‭ ‬بالعادات‭ ‬اليومية‭ ‬أو‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستدامية‭ ‬تتصدر‭ ‬أولويات‭ ‬برامج‭ ‬الإصلاح‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬المملكة‭ ‬2030‭. ‬فبينما‭ ‬تعكس‭ ‬موائد‭ ‬السعوديين‭ ‬قيم‭ ‬الكرم‭ ‬والضيافة‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬يكشف‭ ‬حجم‭ ‬الفاقد‭ ‬من‭ ‬الأغذية‭ ‬والمياه‭ ‬عن‭ ‬تكلفة‭ ‬باهظة‭ ‬تتحملها‭ ‬الدولة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬برامج‭ ‬وتشريعات‭ ‬تستهدف‭ ‬تغيير‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتحويل‭ ‬الترشيد‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬مجتمعية‭ ‬مستدامة‭.‬
وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬يهدر‭ ‬نحو‭ ‬184‭ ‬كيلوغراماً‭ ‬من‭ ‬الغذاء‭ ‬سنوياً،‭ ‬فيما‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمة‭ ‬الغذاء‭ ‬المفقود‭ ‬40‭ ‬مليار‭ ‬ريال‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬مائية‭ ‬تقارب‭ ‬7‭ ‬مليارات‭ ‬ريال‭ ‬نتيجة‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الأغذية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭.‬
ورغم‭ ‬ضخامة‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام،‭ ‬بدأت‭ ‬مؤشرات‭ ‬التحسن‭ ‬بالظهور‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مع‭ ‬نجاح‭ ‬المبادرات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬معدلات‭ ‬الفقد‭ ‬والهدر،‭ ‬وتحقيق‭ ‬وفورات‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬معالجة‭ ‬النتائج‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الأسباب‭ ‬وبناء‭ ‬ثقافة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭.‬

الهدر‭ ‬بالأرقام
أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬انخفاض‭ ‬مؤشر‭ ‬الفقد‭ ‬والهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬33‭.‬1‭ % ‬إلى‭ ‬27‭.‬9‭ % ‬خلال‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬إنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬6‭ ‬مليارات‭ ‬ريال‭ ‬سنوياً‭ ‬كانت‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬الهدر‭.‬
كما‭ ‬أعلن‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬لكفاءة‭ ‬وترشيد‭ ‬المياه‭ ‬تحقيق‭ ‬وفر‭ ‬سنوي‭ ‬يقدر‭ ‬بنحو‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬ريال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬ترشيد‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والكشف‭ ‬المبكر‭ ‬عن‭ ‬التسربات‭.‬
ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التقدم،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬الأصناف‭ ‬الغذائية‭ ‬تسجل‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الهدر،‭ ‬إذ‭ ‬يستهلك‭ ‬السعوديون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1‭.‬1‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬سنوياً،‭ ‬بمتوسط‭ ‬52‭.‬1‭ ‬كيلوغراماً‭ ‬للفرد،‭ ‬بينما‭ ‬يصل‭ ‬متوسط‭ ‬استهلاك‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬إلى‭ ‬13‭.‬2‭ ‬كيلوغراماً‭ ‬للفرد،‭ ‬متجاوزاً‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬مرتفع‭ ‬للدواجن‭.‬
وتشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬الأرز‭ ‬وقرابة‭ ‬29‭ % ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬ينتهي‭ ‬به‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬سلال‭ ‬المهملات،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأصناف‭ ‬تعرضاً‭ ‬للهدر‭ ‬داخل‭ ‬المنازل‭.‬

مصادر‭ ‬الفاقد
تكشف‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬أعدها‭ ‬البرنامج‭ ‬الوطني‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الفقد‭ ‬والهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬‮«‬لتدوم‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المنازل‭ ‬تمثل‭ ‬المصدر‭ ‬الأكبر‭ ‬للهدر،‭ ‬إذ‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬48‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الغذاء‭ ‬والمياه‭ ‬المهدرة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬العادية،‭ ‬وترتفع‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬60‭ % ‬خلال‭ ‬الأعياد‭ ‬والمناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وحفلات‭ ‬الزواج‭.‬
ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إعداد‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬تتجاوز‭ ‬احتياجات‭ ‬الضيوف،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بثقافة‭ ‬الكرم‭ ‬والخشية‭ ‬من‭ ‬التقصير‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬صعوبة‭ ‬تقدير‭ ‬أعداد‭ ‬الحضور‭ ‬بدقة‭.‬
كما‭ ‬تسهم‭ ‬أنظمة‭ ‬‮«‬البوفيه‭ ‬المفتوح‮»‬‭ ‬في‭ ‬الفنادق‭ ‬وقاعات‭ ‬المناسبات‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الفاقد،‭ ‬نتيجة‭ ‬إقبال‭ ‬المدعوين‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬أطباقهم‭ ‬بكميات‭ ‬تفوق‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هدر‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬عبوات‭ ‬المياه‭ ‬الصغيرة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الهدر‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬المنزلي،‭ ‬إذ‭ ‬يساهم‭ ‬القطاع‭ ‬التجاري‭ ‬أيضاً‭ ‬بنسبة‭ ‬ملحوظة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬أو‭ ‬الفنادق‭ ‬أو‭ ‬متاجر‭ ‬التجزئة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬سريعة‭ ‬التلف‭ ‬أو‭ ‬الفائض‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬عمليات‭ ‬التحضير‭ ‬والطهي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬شريكاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬كلفة‭ ‬الهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي‭.‬
استراتيجية‭ ‬الاستدامة

استجابة‭ ‬لهذه‭ ‬التحديات،‭ ‬تبنت‭ ‬المملكة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬2030‭ ‬تستهدف‭ ‬خفض‭ ‬الفقد‭ ‬والهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭ % ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬العقد‭ ‬الحالي‭.‬
ويعد‭ ‬برنامج‭ ‬‮«‬لتدوم‮»‬‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات،‭ ‬حيث‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تطبيقات‭ ‬رقمية‭ ‬تربط‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬فائض‭ ‬الأغذية‭ ‬في‭ ‬الفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬وجمعيات‭ ‬حفظ‭ ‬النعمة،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الطعام‭ ‬الصالح‭ ‬للاستهلاك‭ ‬وتقليل‭ ‬كميات‭ ‬الهدر‭.‬
كما‭ ‬طبقت‭ ‬المملكة‭ ‬نظام‭ ‬الشرائح‭ ‬التصاعدية‭ ‬لتعرفة‭ ‬استهلاك‭ ‬المياه،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فرض‭ ‬غرامات‭ ‬على‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬المياه،‭ ‬مثل‭ ‬استخدام‭ ‬الخراطيم‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬غسل‭ ‬السيارات‭ ‬والأرصفة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬للكشف‭ ‬الذكي‭ ‬عن‭ ‬التسربات‭ ‬وفحص‭ ‬آلاف‭ ‬الخزانات‭ ‬الأرضية‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬ركزت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدراج‭ ‬مفاهيم‭ ‬الاستدامة‭ ‬وكفاءة‭ ‬الإنفاق‭ ‬وحفظ‭ ‬النعمة‭ ‬ضمن‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬والأنشطة‭ ‬الجامعية،‭ ‬بهدف‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الترشيد‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأكثر‭ ‬استدامة‭ ‬لتحقيق‭ ‬التغيير‭.‬

الاستدامة‭ ‬تبدأ‭ ‬بتغيير‭ ‬السلوك‭ ‬اليومي
تعكس‭ ‬تجربة‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي‭ ‬تحولاً‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬الظاهرة‭ ‬بعد‭ ‬وقوعها‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التشريعات‭ ‬والتقنيات‭ ‬وتعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬برامج‭ ‬رؤية‭ ‬2030،‭ ‬تبدو‭ ‬المملكة‭ ‬ماضية‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الكرم‭ ‬والضيافة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وحماية‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنفاق‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي‭ ‬ويعزز‭ ‬الاستدامة‭ ‬للأجيال‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى