السعودية وفرنسا تدفعان الشراكة الاقتصادية إلى مرحلة جديدة
دخلت العلاقات الاقتصادية بين السعودية وفرنسا مرحلة جديدة تتجاوز المبادلات التجارية التقليدية وتوريد السلع والخدمات، باتجاه بناء شبكة أوسع من التمويل والاستثمار والمشروعات المشتركة، في وقت شهدت فيه زيارة ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، ولقاءه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الإعلان عن حزمة من التفاهمات والاتفاقيات والمشروعات ذات الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية.
وجاء في مقدمة التحركات الاقتصادية توقيع وزارة المالية السعودية و«بي بي آي فرانس لضمان الصادرات» بياناً مشتركاً يمهد لتوفير خط ائتماني بقيمة أولية تصل إلى 5 مليارات دولار، لتمويل وإعادة تمويل العقود القائمة والمستقبلية التي تنفذها الشركات الفرنسية، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والتنمية العمرانية والنقل والرعاية الصحية.
ووقع البيان الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لإدارة الدين هاني المديني، نيابة عن وزارة المالية السعودية، والرئيس التنفيذي لـ«بي بي آي فرانس لضمان الصادرات» دينيس لو فير.
ولا يمثل المبلغ استثماراً فرنسياً مباشراً جديداً بقيمة 5 مليارات دولار، وإنما إطاراً ائتمانياً وتمويلياً يستهدف تسهيل تمويل العقود المرتبطة بالشركات الفرنسية وتسريع تنفيذ المشروعات التي تدخل فيها، وهو ما يمنحه أهمية خاصة بالنسبة للشركات الساعية إلى اقتناص حصة من المشروعات الضخمة التي تنفذها المملكة ضمن رؤية السعودية 2030.
ويعمل الجانبان على استكمال الترتيبات التشغيلية للخط الائتماني، مع التأكيد على مواءمة عمليات التمويل مع الجداول الزمنية للمشروعات وإقامة حوار منتظم بين المؤسسات المعنية لضمان سرعة وكفاءة التنفيذ. ويأتي التحرك في إطار «خارطة الطريق للعقد المقبل» التي وقعتها السعودية وفرنسا في ديسمبر 2024، والتي تهدف إلى إيجاد مساحات التقاء بين رؤية السعودية 2030 وخطة فرنسا 2030.
استثمارات فرنسية
وتكشف البيانات المصاحبة لاجتماع الطاولة المستديرة السعودي الفرنسي للاستثمار في باريس أن العلاقات الاقتصادية وصلت بالفعل إلى قاعدة استثمارية كبيرة؛ إذ بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في السعودية نحو 16.3 مليار يورو، بما يعادل قرابة 19 مليار دولار أو 63.9 مليار ريال سعودي في 2024، ليتجاوز أكثر من ضعف مستواه المسجل في 2021.
وبذلك أصبحت فرنسا رابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة.
وقال وزير الاستثمار السعودي فهد السيف، خلال الطاولة المستديرة السعودية الفرنسية في باريس، إن الشركات والمستثمرين الفرنسيين يمتلكون حالياً نحو 651 ترخيصاً استثمارياً موزعة على 18 قطاعاً داخل السعودية، ما يعكس اتساع قاعدة الحضور الفرنسي في الاقتصاد السعودي.
ويكتسب هيكل تلك الاستثمارات دلالة إضافية؛ إذ تستحوذ الصناعات التحويلية على نحو 60 % من إجمالي رصيد الاستثمار الفرنسي في المملكة، بما يؤكد أن العلاقة الاستثمارية لا تقتصر على التجارة أو الخدمات، وإنما تمتد إلى النشاط الصناعي والإنتاجي.
وتضم قائمة الشركات الفرنسية العاملة في السوق السعودية أسماء كبرى في قطاعات الطاقة والصناعة والمياه والصحة والضيافة والخدمات والتقنيات، بينها «توتال إنرجيز» و«سانوفي» و«فيوليا» و«سويز» و«أكور» و«شنايدر إلكتريك»، فيما يتجه النشاط الجديد بصورة متزايدة إلى الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والثقافة والصناعات الإبداعية والتعدين.
التجارة تتجاوز 10 مليارات
وإلى جانب الاستثمارات المباشرة، ارتفع حجم التجارة الثنائية بين السعودية وفرنسا إلى نحو 10.1 مليارات يورو خلال 2025، بنمو سنوي بلغ 7.2 %، ما يعكس توسع الروابط الاقتصادية بالتوازي مع زيادة حركة رؤوس الأموال.
وتشير البيانات كذلك إلى أن الشركات الفرنسية تواصل تعزيز وجودها في قطاعات الطاقة والنقل والبناء والصناعة، بالتزامن مع دخول قطاعات جديدة مرتبطة بتحولات الاقتصاد السعودي، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والتعدين.
ويرى الجانب السعودي أن دخول رؤية 2030 مرحلة التنفيذ والإنجاز يفتح مساحة أكبر أمام الشركات الفرنسية، في ظل الحجم الكبير للمشروعات المطروحة في مجالات البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية والتصنيع والسياحة والترفيه والألعاب والتقنيات الحديثة.
ووفق بيانات أوردها وزير الاستثمار السعودي، نما الناتج المحلي للمملكة بنحو 85 % منذ 2017، من نحو 620 مليار يورو إلى حوالي 1.1 تريليون يورو، فيما باتت الأنشطة غير النفطية تمثل أكثر من نصف الاقتصاد، الأمر الذي يعزز جاذبية السوق للشركات العالمية الباحثة عن فرص توسع طويلة الأجل.
750 مقراً إقليمياً
ويعطي برنامج المقرات الإقليمية بعداً آخر للعلاقة الاستثمارية؛ إذ اجتذب البرنامج السعودي أكثر من 750 شركة عالمية، من بينها 39 شركة فرنسية تعمل عبر ثمانية قطاعات.
ويعكس ذلك تحول المملكة تدريجياً إلى قاعدة إقليمية للشركات التي تدير أعمالها في الشرق الأوسط، بدلاً من أن تكون مجرد سوق نهائية لبيع المنتجات والخدمات.
كما أشار وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولان ليسكور إلى أهمية الاستثمار المتبادل وليس فقط زيادة تدفقات الشركات الفرنسية إلى السعودية، لافتاً إلى افتتاح صندوق الاستثمارات العامة السعودي مكتباً في باريس باعتباره خطوة تدعم توسيع استثمارات المملكة في السوق الفرنسية.
استثمار سعودي قرب باريس
وفي المقابل، لم تعد تدفقات الاستثمار تتحرك من فرنسا إلى السعودية فقط، إذ برز خلال الزيارة واحد من أكبر المشروعات السعودية المخطط لها في فرنسا، بعدما رحب البلدان بطموحات شركة القدية للاستثمار لتطوير وجهة ترفيهية وسياحية ضخمة قرب سيرجي بونتواز شمال غربي باريس.
وبحسب «رويترز»، تبلغ الاستثمارات المتوقعة للمشروع نحو 6 مليارات يورو، أو قرابة 7 مليارات دولار، ويتوقع أن يسهم في خلق نحو 22 ألف فرصة عمل.
وتشير الخطط الحالية إلى تطوير وجهة واسعة متعددة الاستخدامات، تضم ما يصل إلى ثلاثة مرافق ترفيهية رئيسية إلى جانب فنادق وأنشطة للضيافة والثقافة والرياضة والترفيه.
وسيتم تمويل المشروع من مجموعة «القدية»، بما يضعه ضمن أكبر الأمثلة على تحرك رأس المال السعودي نحو استثمارات ترفيهية دولية خارج المملكة، بالتوازي مع تطوير القطاع ذاته داخلياً كأحد محاور تنويع الاقتصاد السعودي.
6 مليارات ريال
وفي الاتجاه المعاكس، تستفيد الشركات الفرنسية بصورة متزايدة من المشروعات الكبرى التي تنفذ داخل السعودية.
فقد كشف الرئيس التنفيذي لمجموعة شركة الدرعية جيري إنزيريلو أن الشركة أرست عقوداً تقدر قيمتها بنحو 6 مليارات ريال سعودي على 27 شركة فرنسية، في مؤشر على حجم مشاركة الشركات الفرنسية في مشروعات التطوير العمراني والسياحي داخل المملكة.
كما أشار إلى اتفاقية جديدة بقيمة نحو 400 مليون ريال مع شركة البنية التحتية والاستشارات الهندسية الفرنسية «إيجيس».
ويعطي ذلك خط الائتمان الجديد البالغ 5 مليارات دولار أهمية أكبر، إذ يمكن أن يوفر إطاراً تمويلياً يسند توسع الشركات الفرنسية في مشروعات مماثلة مستقبلاً، وخصوصاً المشروعات كثيفة رأس المال وطويلة الأجل.
الذكاء الاصطناعي في قلب الشراكة
وبالتزامن مع المسار الاستثماري والتمويلي، اتجهت باريس والرياض إلى توسيع التعاون في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ووقع البلدان مذكرة تفاهم للتعاون في الذكاء الاصطناعي، وهي امتداد لمسار بدأ خلال السنوات الماضية وشمل مجالات النماذج اللغوية الكبيرة والحوسبة والبنية التحتية الرقمية والروبوتات والبحث والتطوير وحوكمة البيانات.
وكانت الشراكة الاستراتيجية التي جرى تطويرها بين البلدين قد وضعت الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمومية والاتصالات وتقنية المعلومات والفضاء والمدن الذكية ضمن المجالات ذات الأولوية.
وبذلك تحاول الشراكة السعودية الفرنسية التحرك من علاقة تقليدية تتمحور حول الطاقة والعقود الحكومية إلى نموذج أكثر تنوعاً يجمع التمويل والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار المباشر والتوطين والإنتاج المشترك.