السندات تدق ناقوس الخطر مع اقتراب الأسواق العالمية من اختبار التصحيح الكبير
دخلت الأسواق المالية العالمية مرحلة شديدة الحساسية مع اتساع الفجوة بصورة غير مسبوقة بين أداء أسواق الأسهم وأسواق السندات، في مشهد يراه كثير من كبار المستثمرين العالميين مؤشراً واضحاً على اقتراب تصحيح كبير قد يضرب الأصول الخطرة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في الولايات المتحدة.
ففي الوقت الذي تواصل فيه الأسهم الأمريكية تسجيل مستويات قياسية جديدة مدفوعة بحمى الذكاء الاصطناعي والتفاؤل المتزايد بشأن أرباح شركات التكنولوجيا العملاقة، تبعث أسواق السندات برسائل مختلفة تماماً، إذ تعكس ارتفاعاً متسارعاً في المخاوف المتعلقة بالتضخم وأسعار الطاقة واستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق سابقاً.
ويعتقد عدد متزايد من مديري الأصول العالميين أن هذا التناقض الحاد بين السوقين لا يمكن أن يستمر طويلاً، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد الضغوط على تقييمات الأسهم الأمريكية التي وصلت بالفعل إلى مستويات تاريخية مرتفعة، في وقت تبدو فيه الأسواق وكأنها تتجاهل بصورة شبه كاملة المخاطر الجيوسياسية والتضخمية المحيطة بالاقتصاد العالمي.
موجة صعود قوية
شهدت وول ستريت منذ مطلع أبريل موجة صعود قوية أعادت الزخم إلى الأسهم الأمريكية، بعدما دفعت أنباء وقف إطلاق النار المؤقت في حرب الشرق الأوسط المستثمرين إلى العودة بقوة إلى الأسواق الخطرة، خصوصاً أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» سلسلة متواصلة من المستويات القياسية الجديدة، مدعوماً بارتفاعات ضخمة في أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة وأشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت ضخ المستثمرون سيولة كبيرة في صناديق الأسهم الأمريكية على أمل استمرار نمو الأرباح وتحقيق مكاسب إضافية خلال النصف الثاني من العام.
لكن هذه الموجة الصعودية جاءت بالتزامن مع تطورات مختلفة تماماً في أسواق السندات، حيث شهدت السندات الحكومية الأمريكية عمليات بيع واسعة دفعت العوائد إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام، وهو ما اعتبره كثير من المستثمرين إشارة تحذيرية مهمة للأسواق.
ويراهن المستثمرون في سوق السندات على أن استمرار أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل سيؤدي إلى موجة تضخمية جديدة قد تجبر البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو حتى العودة إلى تشديد السياسة النقدية إذا اقتضت الحاجة.
إشارات مقلقة
أحد أكثر المؤشرات التي أثارت قلق المستثمرين خلال الأسابيع الماضية تمثل في الارتفاع الحاد لعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، والتي ارتفعت بنحو 0.28 نقطة مئوية منذ إعلان وقف إطلاق النار المؤقت في الشرق الأوسط.
ويعكس هذا الارتفاع تغيراً واضحاً في توقعات المستثمرين بشأن التضخم والسياسة النقدية، إذ لم تعد الأسواق تراهن بقوة على خفض سريع للفائدة، كما كانت تتوقع قبل أشهر قليلة فقط.
كما ارتفعت توقعات التضخم خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وفقاً لمؤشرات مقايضات التضخم الأمريكية، إلى أكثر من 4% للمرة الأولى منذ أوائل عام 2025، وهو ما يعكس تنامي القناعة بأن الاقتصاد العالمي قد يواجه موجة تضخمية جديدة مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد.
ويرى مستثمرون أن هذه التطورات تشكل تهديداً مباشراً للأسهم الأمريكية، لأن ارتفاع العوائد يؤدي عادة إلى تقليص جاذبية الأسهم مرتفعة التقييم، خاصة أسهم التكنولوجيا التي تعتمد بشكل كبير على توقعات النمو المستقبلي.
وفي هذا السياق، حذر فينسنت مورتييه، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أموندي»، من أن الأسواق تقترب من مرحلة تصحيح محتمل، مؤكداً أن السؤال لم يعد ما إذا كان التصحيح سيحدث، بل متى سيحدث فعلياً.
وأشار إلى أن سوق الأسهم شهدت تحولاً جذرياً في المزاج الاستثماري خلال أسابيع قليلة فقط، بينما بقي مستثمرو السندات أكثر تشاؤماً بسبب ارتفاع أسعار الوقود والطاقة نتيجة اضطرابات مضيق هرمز.
الذكاء الاصطناعي يقود السوق
ورغم هذه التحذيرات، ما تزال موجة التفاؤل المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تسيطر بقوة على وول ستريت، حيث أصبحت مجموعة محدودة من شركات التكنولوجيا العملاقة مسؤولة عن الجزء الأكبر من مكاسب السوق الأمريكية.
وقد ساهمت الطفرة الكبيرة في الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات في رفع تقييمات شركات التكنولوجيا إلى مستويات تاريخية، مع استمرار المستثمرين في ضخ الأموال داخل هذا القطاع بحثاً عن النمو السريع.
لكن محللين يحذرون من أن اعتماد السوق على عدد محدود جداً من الأسهم يعزز هشاشة الصعود الحالي، لأن أي تباطؤ في أرباح تلك الشركات أو أي ارتفاع إضافي في العوائد قد يؤدي إلى عمليات بيع واسعة.
وقالت ماندي شو، رئيسة معلومات سوق المشتقات في بورصة شيكاغو العالمية، إن نشاط المستثمرين في سوق خيارات الأسهم الفردية يشير إلى استمرار «التفاؤل المفرط»، مؤكدة أن بعض مؤشرات المضاربة باتت تقترب من المستويات التي شهدتها الأسواق خلال فترة «أسهم الميم» في عام 2021.
ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة تعكس سلوكاً مضاربياً متزايداً في الأسواق، حيث أصبح جزء من المستثمرين يتجاهل المؤشرات الاقتصادية التقليدية ويركز فقط على الزخم السعري ومكاسب التكنولوجيا.
رهانات متناقضة
اللافت في المشهد الحالي أن أسواق الأسهم والسندات تبدوان وكأنهما تراهنان على سيناريوهين اقتصاديين مختلفين تماماً.
فأسواق السندات تسعر استمرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة لفترة طويلة، مع احتمالات تباطؤ اقتصادي تدريجي نتيجة تشديد السياسة النقدية وارتفاع أسعار الطاقة.
أما أسواق الأسهم، فتتصرف وكأن الاقتصاد الأمريكي قادر على تحقيق «هبوط ناعم» يسمح باستمرار نمو الأرباح دون حدوث ركود حاد أو أزمة تمويلية، وهو ما يدفع المؤشرات إلى تسجيل قمم تاريخية جديدة.
تحذيرات من جني الأرباح
وكشف استطلاع شهير أجراه «بنك أوف أمريكا» عن ارتفاع قياسي في نسبة المستثمرين الذين يضخون الأموال بكثافة في الأسهم، حيث قفزت النسبة من 13 % إلى 50 % خلال شهر واحد فقط، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من أربع سنوات.
ويعكس هذا التحول السريع حالة التفاؤل الكبيرة المسيطرة على المستثمرين بشأن الأرباح والنمو الاقتصادي الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف من وصول السوق إلى حالة تشبع شرائي قد تجعلها أكثر عرضة للتصحيح.
وفي المقابل، أظهرت نتائج الاستطلاع أن 44 % من مديري الصناديق يستثمرون بأقل من المعدلات الطبيعية في السندات، وهي أعلى نسبة منذ منتصف عام 2022.
وأشار معدو الاستطلاع إلى أن بداية يونيو قد تكون توقيتاً مناسباً لجني الأرباح، خصوصاً إذا استمرت عمليات بيع السندات وواصلت العوائد ارتفاعها.
أرباح قوية تدعم الأسواق
ورغم كل التحذيرات، لا يزال كثير من المستثمرين مقتنعين بأن قوة أرباح الشركات الأمريكية قادرة على دعم السوق لفترة أطول.
فقد جاء موسم نتائج الربع الأول أقوى من التوقعات، مع تسجيل عدد كبير من الشركات نمواً ملحوظاً في الأرباح والإيرادات، خصوصاً شركات التكنولوجيا والاتصالات والخدمات الرقمية.
ويرى مؤيدو استمرار الصعود أن الاقتصاد الأمريكي ما يزال يتمتع بمرونة قوية، وأن الإنفاق الاستهلاكي وسوق العمل لم يتعرضا حتى الآن لضغوط حادة رغم ارتفاع أسعار الفائدة.
خطر التضخم المزمن
أحد أكثر المخاوف التي تقلق المستثمرين حالياً يتمثل في احتمال تحول التضخم المرتفع إلى ظاهرة مزمنة وليست مؤقتة، خصوصاً مع استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة العالمية.
ويؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويجعل مهمة البنوك المركزية في السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.
كما أن إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهدد جزءاً كبيراً من إمدادات النفط العالمية، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا تصاعدت التوترات مجدداً.