تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السياحة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬تكسب‭ ‬رهانات‭ ‬الأزمات

السياحة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬تكسب‭ ‬رهانات‭ ‬الأزمات

يشهد‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬تحولًا‭ ‬لافتاً‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بتداعيات‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬السفر‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ودفعت‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المسافرين‭ ‬إلى‭ ‬تفضيل‭ ‬الوجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أكثر‭ ‬أمانًا‭ ‬واستقراراً‭ ‬وسهولة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭.‬
ووفق‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬السياحة،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬السياح‭ ‬المحليين‭ ‬نحو‭ ‬28‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬سائح‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام،‭ ‬محققاً‭ ‬نمواً‭ ‬بنسبة‭ ‬16‭ % ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬السياحي‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬34‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬ريال،‭ ‬بزيادة‭ ‬قدرها‭ ‬8‭% ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬قوة‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التباطؤ‭ ‬الإقليمي‭.‬
هذا‭ ‬النمو‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬اضطرابات‭ ‬إقليمية‭ ‬حادة،‭ ‬شملت‭ ‬إغلاق‭ ‬بعض‭ ‬الأجواء‭ ‬وتغيير‭ ‬مسارات‭ ‬الطيران‭ ‬نتيجة‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التشغيل‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬الطيران،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬استهلاك‭ ‬الوقود‭ ‬أو‭ ‬طول‭ ‬الرحلات‭ ‬أو‭ ‬رسوم‭ ‬عبور‭ ‬الأجواء‭ ‬البديلة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أعباء‭ ‬إعادة‭ ‬جدولة‭ ‬الرحلات‭ ‬واستيعاب‭ ‬المسافرين‭ ‬المتأثرين‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬أظهرت‭ ‬سلوكيات‭ ‬المسافرين‭ ‬تغيراً‭ ‬واضحاً،‭ ‬إذ‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬السياحة‭ ‬الداخلية‭ ‬بنحو‭ ‬48‭ %‬،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬خيارات‭ ‬السفر‭ ‬المرنة،‭ ‬مثل‭ ‬إمكانية‭ ‬تعديل‭ ‬أو‭ ‬استرداد‭ ‬الحجوزات،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الأوضاع‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
كما‭ ‬ساهمت‭ ‬المنصات‭ ‬السياحية‭ ‬وشركات‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬باقات‭ ‬مرنة‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬المسافرين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بات‭ ‬الكثيرون‭ ‬يفضلون‭ ‬تأجيل‭ ‬قرارات‭ ‬الحجز‭ ‬إلى‭ ‬فترات‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬موعد‭ ‬السفر‭ ‬لتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة‭.‬
ورغم‭ ‬الضغوط‭ ‬التشغيلية،‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬أسعار‭ ‬التذاكر‭ ‬ارتفاعات‭ ‬حادة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬إلى‭ ‬امتصاص‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التكاليف‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تنافسية‭ ‬الأسعار،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الوجهات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتأثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بالأزمة،‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬واستقرار‭ ‬السوق‭ ‬نسبياً‭.‬
على‭ ‬مستوى‭ ‬السوق‭ ‬المحلية،‭ ‬سجل‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السياحة‭ ‬الداخلية‭ ‬زيادات‭ ‬قوية،‭ ‬حيث‭ ‬تراوحت‭ ‬التقديرات‭ ‬بين‭ ‬30‭ % ‬و40‭ % ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬الماضي،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بعوامل‭ ‬الأمان‭ ‬وسهولة‭ ‬التنقل‭ ‬البري،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬الذي‭ ‬شمل‭ ‬استيعاب‭ ‬العالقين‭ ‬وتسهيل‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الرئيسية‭ ‬مثل‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬والمدينة‭ ‬المنورة‭.‬
من‭ ‬جهته،‭ ‬أكد‭ ‬وزير‭ ‬السياحة‭ ‬السعودي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬يعكس‭ ‬متانة‭ ‬القطاع‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التحديات،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السياحة‭ ‬المحلية‭ ‬باتت‭ ‬تمتلك‭ ‬محركات‭ ‬طلب‭ ‬قوية‭ ‬تضمن‭ ‬استدامة‭ ‬النمو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تكشف‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬السفر‭ ‬داخل‭ ‬السعودية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬السياحة‭ ‬الداخلية‭ ‬خيارًا‭ ‬أوليًا‭ ‬وليس‭ ‬بديلًا‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬مدعومة‭ ‬بعوامل‭ ‬الأمان‭ ‬والمرونة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المتطورة،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬موقع‭ ‬المملكة‭ ‬كوجهة‭ ‬سياحية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭ ‬وتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬مستدام‭.‬

رجوع لأعلى