تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين‭ ‬تشتد‭ ‬الأزمات‭… ‬لماذا‭ ‬يزداد‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الترفيه؟

حين‭ ‬تشتد‭ ‬الأزمات‭... ‬لماذا‭ ‬يزداد‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الترفيه؟

تكشف‭ ‬أنماط‭ ‬الإنفاق‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭: ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬الانكماش‭ ‬الكامل،‭ ‬يستمر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الترفيه،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يزيدونه‭ ‬أحياناً،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يبدو‭ ‬غير‭ ‬منطقي‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬فإن‭ ‬البيانات‭ ‬والتجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬إذ‭ ‬يعكس‭ ‬تداخل‭ ‬عوامل‭ ‬نفسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وتغيرات‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬المستهلكين‭.‬
تقليديًا،‭ ‬تفترض‭ ‬النظريات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬يقلصون‭ ‬الإنفاق‭ ‬غير‭ ‬الضروري‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬الترفيه‭ ‬لا‭ ‬يُعامل‭ ‬دائماً‭ ‬كرفاهية‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭. ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التوتر،‭ ‬ينظر‭ ‬كثيرون‭ ‬إلى‭ ‬الإنفاق‭ ‬الترفيهي‭ ‬كوسيلة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬النفسي‭ ‬وجودة‭ ‬الحياة‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬سلع‭ ‬كبيرة‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬يميل‭ ‬المستهلك‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬أمواله‭ ‬نحو‭ ‬تجارب‭ ‬قصيرة‭ ‬تمنحه‭ ‬شعوراً‭ ‬فورياً‭ ‬بالرضا‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬تغيراً‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬قيمة‭ ‬المال،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬دوره‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالراحة‭ ‬النفسية‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬بالأمان‭ ‬المادي‭.‬

دعم‭ ‬النمو

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬على‭ ‬الأفراد،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل‭. ‬فالإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬يمثل‭ ‬عنصراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬واستمراره‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الترفيه‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬التباطؤ‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬حديثة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬ملحوظ‭ ‬رغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬بفضل‭ ‬استمرار‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭.‬
من‭ ‬الناحية‭ ‬النفسية،‭ ‬يرتبط‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬سيكولوجية‭ ‬الهروب‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يستخدم‭ ‬الأفراد‭ ‬الترفيه‭ ‬كآلية‭ ‬للتكيف‭ ‬مع‭ ‬الضغوط‭. ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«تأثير‭ ‬أحمر‭ ‬الشفاه‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬الكماليات‭ ‬الصغيرة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الركود‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬تكرر‭ ‬في‭ ‬أزمات‭ ‬مختلفة،‭ ‬حيث‭ ‬يفضل‭ ‬المستهلكون‭ ‬إنفاقاً‭ ‬محدوداً‭ ‬يمنحهم‭ ‬شعوراً‭ ‬بالتحسن‭ ‬دون‭ ‬تحميل‭ ‬أنفسهم‭ ‬أعباء‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭.‬

الترفيه‭ ‬المنزلي

وخلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بوضوح،‭ ‬إذ‭ ‬ارتفع‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الترفيه‭ ‬المنزلي‭ ‬مثل‭ ‬خدمات‭ ‬البث‭ ‬والألعاب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بالثقة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬ضاغط‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬لاحقاً،‭ ‬لم‭ ‬يتخل‭ ‬المستهلكون‭ ‬عن‭ ‬الترفيه،‭ ‬بل‭ ‬أعادوا‭ ‬توجيه‭ ‬إنفاقهم‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬ظروفهم‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬برزت‭ ‬ظاهرة‭ ‬أخرى‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‮«‬الإنفاق‭ ‬الانتقامي‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬تعكس‭ ‬جانبًا‭ ‬أكثر‭ ‬تفاؤلًا‭. ‬بعد‭ ‬فترات‭ ‬القيود،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬عقب‭ ‬الجائحة،‭ ‬اندفع‭ ‬الأفراد‭ ‬لتعويض‭ ‬ما‭ ‬فاتهم‭ ‬من‭ ‬سفر‭ ‬وتجارب‭. ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬العالمي‭ ‬انتعاشاً‭ ‬قوياً،‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬أعداد‭ ‬السياح‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالحاجة‭ ‬النفسية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬أيضاً‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬الشخصي‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬التعافي‭ ‬الاقتصادي‭.‬

التحول‭ ‬الهيكلي

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يلعب‭ ‬التحول‭ ‬الهيكلي‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تفضيل‭ ‬‮«‬التجارب‮»‬‭ ‬على‭ ‬‮«‬السلع‮»‬،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬السفر‭ ‬والفعاليات‭ ‬يمثلان‭ ‬استثماراً‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬ووسيلة‭ ‬لبناء‭ ‬الذكريات‭. ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬الذي‭ ‬تعزز‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬جعل‭ ‬الإنفاق‭ ‬الترفيهي‭ ‬أكثر‭ ‬صموداً‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬التراجع‭ ‬الكامل،‭ ‬يعيد‭ ‬المستهلك‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياته‭ ‬ليحافظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬معدل‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬قدمت‭ ‬أمثلة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬نتيجة‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬الأزمات،‭ ‬استمر‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬والفعاليات،‭ ‬وإن‭ ‬بوتيرة‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً‭. ‬هذا‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬‮«‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليل‭ ‬بعض‭ ‬النفقات‭ ‬مقابل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الترفيهية‭.‬

الحاجة‭ ‬النفسية‭ ‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬الإنفاق‭ ‬الترفيهي‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬واحدة‭. ‬فهو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬النفسية‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬الضغوط،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الإحساس‭ ‬بالحياة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬كما‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬لا‭ ‬يتبعون‭ ‬دائماً‭ ‬نماذج‭ ‬اقتصادية‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬يتخذون‭ ‬قرارات‭ ‬معقدة‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الواقع‭ ‬المادي‭ ‬واحتياجاتهم‭ ‬النفسية‭.‬
وعندما‭ ‬يزداد‭ ‬الغموض‭ ‬بشأن‭ ‬المستقبل،‭ ‬لا‭ ‬يلجأ‭ ‬الناس‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬التقشف‭ ‬الكامل،‭ ‬بل‭ ‬يعيدون‭ ‬توزيع‭ ‬إنفاقهم‭ ‬بطريقة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬دون‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬الراحة‭ ‬والرضا‭.‬

رجوع لأعلى