السيولة تحافظ على نبض بورصة الكويت وتؤكد استمرار شهية المستثمرين
رغم انتهاء جلسة الثلاثاء على تباين في أداء المؤشرات الرئيسية لبورصة الكويت فإن قراءة الأرقام بصورة أعمق تكشف أن السوق لا يزال يتمتع بدرجة جيدة من النشاط، وأن السيولة المتداولة ما زالت عند مستويات قادرة على دعم الحركة اليومية للأسهم، حتى مع تعرض عدد من القطاعات لضغوط بيعية. فالتراجع الذي أصاب السوق الأول والسوق العام لم يكن واسع النطاق، في وقت نجح فيه المؤشران الرئيسي والرئيسي 50 في الإغلاق داخل المنطقة الخضراء، وهو ما يعكس استمرار حالة الانتقائية بين الأسهم، وتحول اهتمام المستثمرين نحو الشركات التي تمتلك محفزات تشغيلية أو توقعات إيجابية للفترة المقبلة.
وسجلت قيمة التداول خلال الجلسة نحو 72.14 مليون دينار، وهي قيمة تعكس استمرار وجود سيولة نشطة داخل السوق، خاصة في ظل تنفيذ نحو 21.80 ألف صفقة على أكثر من 310.24 مليون سهم. وتوضح هذه الأرقام أن المستثمرين لم يتجهوا إلى الخروج من السوق، وإنما أعادوا توزيع استثماراتهم بين القطاعات والأسهم وفقاً للفرص المتاحة، وهو سلوك يتكرر عادة في الفترات التي تشهد تفاوتاً في أداء الشركات والقطاعات.
ضغوط بيعية
وأغلق مؤشر السوق الأول منخفضاً بنسبة 0.10 %، بينما تراجع المؤشر العام بنسبة 0.06 %، وهي نسب محدودة تشير إلى أن الضغوط البيعية لم تكن قوية بالدرجة التي تغير الاتجاه العام للسوق. وفي المقابل، تمكن المؤشر الرئيسي من الارتفاع بنسبة 0.14 %، كما صعد مؤشر الرئيسي 50 بنسبة 0.37 %، وهو ما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بعدد من الأسهم المتوسطة والصغيرة التي نجحت في استقطاب السيولة خلال الجلسة.
ويؤكد هذا التباين أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية في قراراتهم الاستثمارية، حيث لم تعد حركة السوق تعتمد على اتجاه واحد يشمل جميع الأسهم، وإنما أصبحت كل مجموعة من الأسهم تتحرك وفق معطياتها الخاصة، سواء كانت مرتبطة بنتائج مالية أو توسعات تشغيلية أو توقعات مستقبلية.
ومن أبرز ملامح الجلسة تراجع ثمانية قطاعات مقابل ارتفاع أربعة قطاعات واستقرار قطاع واحد، وهو ما يعكس تغيراً واضحاً في اتجاهات السيولة بين القطاعات المختلفة. وتصدر قطاع الرعاية الصحية قائمة التراجعات بانخفاض بلغ 2.95 %، بينما جاء القطاع الصناعي في صدارة الرابحين بعد ارتفاعه بنسبة 0.58 %، في إشارة إلى استمرار اهتمام المستثمرين بالشركات الصناعية التي تعد من القطاعات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والاستثماري.
تدوير للسيولة
ويعكس الأداء القطاعي أيضاً أن السوق لا يمر بحالة ضعف عامة، وإنما يشهد عملية تدوير للسيولة بين القطاعات، وهي ظاهرة طبيعية في الأسواق المالية، إذ تنتقل الأموال من الأسهم التي حققت مكاسب سابقة إلى أسهم أخرى يرى المستثمرون أنها تمتلك فرصاً أفضل خلال المرحلة المقبلة.
أما على مستوى الأسهم، فقد انخفضت أسعار 55 سهماً، بينما ارتفعت أسعار 54 سهماً، في حين استقرت أسعار 23 سهماً دون تغيير. ويعكس هذا التوزيع حالة التوازن النسبي داخل السوق، حيث جاءت أعداد الأسهم المرتفعة والمتراجعة متقاربة للغاية، وهو ما يؤكد أن التداولات لم تكن قائمة على موجة بيع جماعية أو شراء جماعي، وإنما على قرارات استثمارية انتقائية.
وتصدر سهم ميدان قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً بعد تراجعه بنسبة 4.58 %، بينما جاء سهم أصول في صدارة الأسهم الرابحة بعدما ارتفع بنسبة 7.64 %، وهو ما يعكس استمرار وجود فرص لتحقيق مكاسب في عدد من الأسهم رغم الأداء المتباين للمؤشرات.
طلب استثماري
وتبرز قيمة التداول البالغة أكثر من 72 مليون دينار باعتبارها أحد أهم مؤشرات قوة السوق خلال الجلسة، إذ إن الحفاظ على هذا المستوى من السيولة يمنح السوق قدرة أكبر على امتصاص الضغوط البيعية، كما يوفر دعماً للأسهم التي تشهد طلباً استثمارياً مستمراً.
كما أن تنفيذ أكثر من 21 ألف صفقة خلال جلسة واحدة يعكس اتساع قاعدة المشاركين في السوق، وعدم اقتصار التداولات على عدد محدود من المستثمرين أو الأسهم، وهو ما يعزز من كفاءة السوق ويرفع مستوى النشاط اليومي.
ويترقب المستثمرون خلال المرحلة المقبلة عدداً من المحفزات التي قد تؤثر في اتجاه التداولات، وفي مقدمتها النتائج المالية للشركات عن الفترات المقبلة، إذ تمثل الأرباح التشغيلية والمؤشرات المالية أحد أهم العوامل التي تحدد اتجاه السيولة بين الأسهم المختلفة.
التطورات الاقتصادية
كما يواصل المستثمرون متابعة التطورات الاقتصادية المحلية، خاصة ما يتعلق بالمشروعات الحكومية والإنفاق الرأسمالي، لما لذلك من تأثير مباشر في أداء العديد من الشركات المدرجة، خصوصاً العاملة في قطاعات الصناعة والخدمات والبنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، تبقى المتغيرات الخارجية حاضرة في حسابات المستثمرين، سواء فيما يتعلق بأسعار النفط أو اتجاهات الأسواق العالمية أو السياسات النقدية، إذ إن هذه العوامل تؤثر بصورة غير مباشرة في شهية الاستثمار داخل الأسواق الخليجية، ومنها السوق الكويتي.
ويرى متابعون للسوق أن المرحلة الحالية تتطلب قدراً أكبر من الانتقائية وعدم الاعتماد على الحركة العامة للمؤشرات فقط، إذ أصبحت جودة الشركات ومتانة مراكزها المالية وقدرتها على تحقيق الأرباح عوامل أكثر أهمية من مجرد اتجاه السوق بشكل عام.
كما أن استمرار السيولة عند مستويات جيدة يمنح المستثمرين قدراً من الثقة في أن السوق لا يزال يحتفظ بجاذبيته الاستثمارية، حتى في ظل التباين الحالي بين المؤشرات والقطاعات، وهو ما يدعم استمرار النشاط خلال الجلسات المقبلة.
ويلاحظ أيضاً أن المؤشر الرئيسي 50 يواصل تقديم أداء أفضل نسبياً مقارنة ببعض المؤشرات الأخرى، وهو ما قد يشير إلى تزايد اهتمام المستثمرين بالشركات المتوسطة التي تمتلك فرص نمو أكبر، خاصة مع ارتفاع مستويات التقييم في بعض الأسهم القيادية.