الشال: إصلاح بيئة الأعمال بوابة الكويت لنمو اقتصادي مستدام
أكد تقرير «الشال» الإقتصادي وجود أولويتان غاية في الأهمية للكويت، مالم يتم البدء في تبني مشروع نهوض لهما، كل الإصلاحات الصغيرة لن تؤتي ثمارهـا، وقـد تحقق مردوداً عكسياً.
الأولوية الأولى هي بيئة الأعمال الطاردة، فقد ذكرنا في تقرير سابق نقلاً عن أرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، بأن حصيلة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة خلال السنوات الخمس الفائتة كانت بحدود 4.5 مليار دولار أمريكي، بينما بلغ إجمالي التدفقات الخارجة لرأس المال المحلي من أجل الاستثمار المباشر نحو 86.7 مليار دولار أمريكي، أي بعجز صافي بحدود 82.2 مليار دولار أمريكي. ومن المؤكد أن توقيت صدور قانون مكافحة التستر التجاري في وضع نزوح سالب بهذا الحجم، حتى إن كان مستحق، سوف يؤدي إلى نزوح مزيد من الاستثمار المباشر المحلي إلى الخارج، ومزيد من القلق حول تسوية الالتزامات المالية ما قد يؤثر سلباً على معاملات القطاع المصرفي، ويضيف الكثير من القضايا لدى المحاكم المزحومة، والكثير من الشقاق المجتمعي الناتج عن مكافأة الناس للتبليغ عن بعضهم البعض، ومعه الكثير من الكيدية. وفي زمن فيه الأوضاع الجيوسياسية ساخنة، وانخفاض في رغبة الأفراد والشركات في الاستهلاك والاستثمار المحلي، واستمرار ضبابية أوضاع المستثمرين في أراضي أملاك الدولة، يعتبر فتح جبهة جديدة ومفاجئة، قرار غير صحيح.
الأولوية الثانية للإدارة العامة هي التركيز على علاج الفجوات الهيكلية للاقتصاد الكويتي، والتي تم التحذير من تفاقمها منذ عقود مضت. تلك الفجوات، هي، بدائية محركات الاقتصاد واعتمادها شبه الكامل على إيرادات النفط، وثانياً اعتماد الموازنـة العـامـة ونحو 90 % من نفقاتها جارية على إيرادات النفط بشكل شبه كامل، وثالثها ميزان عمالة مواطنة يوظف فيه الاقتصاد والمالية العامة أكثر من 80 % منها، وغالبيتها وظائف مصطنعة، وجميعها، أي فجوة الاقتصاد، وفجوة المالية العامة، وخلل ميزان العمالة المواطنة، غير مستدامة، وهي إلى إتساع بمرور الزمن، يضاف إليها بدء التوسع مؤخراً في ولوج مصيدة الدين العام. وأحد المؤشرات على تكلفة التأخر في مواجهة مشكلات الاقتصـاد الهيكليـة يشــرحها متوسط نمو الاقتصاد الكويتي المتواضع البالــغ 1.5 % مقابل معـدل 3.7 % لدول المجلس الست للفترة ما بين 2010-2025، ومعه انكمش نصيبه في حجم الاقتصاد الكلي لدول مجلس التعاون الخليجي من 9.9% في بداية تلك الفترة، أي 2010، إلى 6.6 % في نهايتها، أو عام 2025، أي ضعف مطلق للنمو وتأخر نسبي مقارنة مع شركائها. وقانون مكافحة التستر التجاري، حتى لو تجاوزنا أولويته، يفترض أن يقترن صدوره ببحث واسع حول حجم الظاهرة، والفرز بين الضار منها والنافع، ومثال الضار هو ذلك الذي يعمل بالاتجار بالبشر، والنافع هو القادر على خلق فرص عمل مواطنة مستدامة أو قادر على دفع ضرائب لتمويل المالية العامة من نشاط اقتصادي مستدام.
باختصار، كل مشروعات النمو النهضوي، من الصين الضخمة، إلى سنغافورة الصغيرة، أو تركيا الوسط، بدأت بالتعريف والعمل على البدء بالأولويات الكبرى للاقتصاد، وحققت نجاحات جوهرية، وعلم الاقتصاد لم يكن في يوم من الأيام علم وصفي، وإنما علم استباقي مستقبلي، أي يهتم بالبحث في جودة أو عدم جودة سياسات وقرارات اليوم من زاوية تأثيرها على المستقبل، ولا نرى أولوية لقانون مكافحة التستر التجاري، ولا نرى سلامة توقيته من زاويتي الحاضر وآثاره على المستقبل.