الشال: العامل الاقتصادي يرجح كفة سلام الضرورة
قال تقرير شركة الشال للاستشارات الإسبوعي أن قرار تجدد الحرب واتساعها، أو قرار وقفها والتوافق بين طرفاها المباشران، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يخضع لاجتهادات متباعدة، ونقدر اتساع هامش الخطأ في تبني أي سيناريو محتمل ونحترم كل الاجتهادات، لأن قرار الحرب والسلام، للعامل الشخصي فيه غلبة على البعد المؤسسي. ولكننا نميل، لوجود غلبة كبيرة لتأثير العامل الاقتصادي في ترجيح ضرورة قرار وقفها، وقد يتحقق أي من الاحتمالات ما بين موعد كتابة تقريرنا وصدوره على موقع الشال في 14 مايو، وموعد نشره في 17 مايو، أو بعد ذلك، وقد يجانب التوفيق اجتهادنا.
ثقل القرار لوقف أو تجدد الحرب لازال بيد الولايات المتحدة الأمريكية، والتداعيات الاقتصادية هناك وتبعاتها السياسية باتت غير محتملة، الدين السيادي والتضخم والنمو الاقتصادي وأثرها على نتائج الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم، كلها تسير في اتجاه معاكس لرغبات الرئيس الأمريكي والحزب الجمهوري. الديون السيادية البالغة نحو 39 تريليون دولار أمريكي كما في منتصف الأسبوع الفائت تتعرض لضغوط سلبية من اتجاهين، الأول هو حتمية زيادة النفقات العامة بمزيد من الاقتراض لتغطية نفقات الحرب، وربما مصاحباً لخفض الضرائب الفيدرالية، والثاني بقاء أسعار الفائدة عالية، وربما حتى رفعها، بينما كان الأمل والعمل لخفضهما هدف رئيسي للرئيس ترمب لدعم الاقتصاد والحفاظ على هيمنة الدولار الأمريكي.
ورغم أن معدل التضخم لم يرتفع سوى قليلاً في شهر مارس، أو إلى 2.6 % مقابل 2.5 % لشهر فبراير الفائت وفقاً لتقرير لوحدة إحصاءات العمالة الأمريكية، إلاّ أنه اتجاه معاكس لما يرغبه بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، وبعيد عن مستهدفه البالغ 2 %، ومن المرجح أن يزيد ابتعاداً في شهر مايو الجاري. ووفقاً لإحصاءات البنك الدولي، ارتفع مؤشر أسعار الطاقة من نحو 83.7 للربع الأخير من عام 2025، إلى 146.4 لشهر أبريل الفائت، وارتفع مؤشر أسعار الأسمدة من 137.6 إلى 208.7 في نفس الفترة. ومن تداعياتهما المباشرة ارتفاع معدل سعر غالون البنزين بنحو 50 % ما بين يوم قبل الحرب في 27 فبراير الفائت، ومنتصف الأسبوع الفائت، وبدأت أسعار الغذاء بالارتفاع نتيجة شح وارتفاع أسعار الأسمدة، ومن المحتمل أن يظهر أثرها على ارتفاع معدلات التضخم بعد بضعة شهور، وقريباً من موعد انتخابات شهر نوفمبر القادم. وعلى الجبهة السياسية أيضاً، انخفضت نسبة المؤيدين وارتفعت نسبة المعترضين على سياسات الرئيس – approval rating – وفقاً لـ CNN من نحو 50 % في مارس 2025 إلى 35 % للمؤيدين، مقابل 63 % للمعارضين في أبريل 2026، وبلغت نسبة المؤيدين لسياساته الاقتصادية 30 % مقابل 70 % معارضين لها. ومالم تتوقف الحرب، قد يتحول تهديد ولوج الاقتصاد الأمريكي ومعه الاقتصاد العالمي إلى واقع مؤلم يتمثل في ركود تضخمي ما يسارع في فقدان الدولار الأمريكي لهيمنته، وهو أمر بالغ الخطورة. وحتى كأس العالم مهدد بخطر ضعف الإقبال على نشاطاته مع ارتفاع أسعار البنزين وارتفاع أسعار وقود الطائرات بنحو 68.5 % ما بين نهاية فبراير وبداية مايو، إضافة إلى إلغاء الكثير من الرحلات، وبلوغ أسعار تذاكر نهائي كأس العالم نسب تتراوح ما بين 319 % في أدناها و885 % في أعلاها مقارنة بمستواها لعام 2022 في مونديال قطر وفقاً لموقع الـ FIFA.
والوضع الاقتصادي في إيران في غاية السوء، فالبلد مر بثلاث حراكات شعبية دامية في السنوات الست السابقة، ووقف الحرب مشروطاً برفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأرصدة المجمدة هو المخرج الوحيد لخفض التهديد بتحولها من حرب من الخارج إلى حرب داخلية، لأنه يضمن الارتقاء بالوضع المعيشي البائس للناس إلى الحدود المحتملة. ووفقاً لتقديرات وحدة المعلومات لمجلة الإيكونوميست (EIU) (أبريل 2026)، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد الإيراني انكماش بحدود -9.2 % في عام 2026. وأن تبلغ معدلات التضخم 60 %، وأن ينخفض سعر العملة من معدل 936,544 ريال إيراني لكل دولار أمريكي لمعدل عام 2025، إلى 1,800,000 ريال إيراني لكل دولار أمريكي لعام 2026. ويقدر برنامج الأمم المتحدة للإنماء (UNDP) في تقرير له صادر في 13 أبريل الفائت ارتفاع عدد فقراء العالم بنحو 32 مليون إنسان بسبب الحرب في الإقليم، ونعتقد أن عدد كبير منهم يخص إيران. وما تقدم وصفة مثالية لتحول الحرب إلى الداخل، ما يعني أن أيران لن تكون مهتمة كثيراً بملف تخصيب اليورانيوم أو إغلاق مضيق هرمز، وقد تقدم فيهما تنازلات رئيسية، ولكن خيار رفع العقوبات وعودتها إلى سوق النفط بكامل حصتها الإنتاجية هو طوق النجاة، وإن تحقق، سوف ينقذ كل جوارها الجغرافي وما بعد جوارها الجغرافي من حالة تداعيات الاضطراب الداخلي.
وهناك ما قد نتطرق له لاحقاً حول خسائر معظم دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، واحتمال تضاعفها إن عادت الحرب، ما يعني ضرورة اجتناب تورطها المباشر فيها والعمل على وقفها، ونعتقد أن إسرائيل، أو الطرف المباشر الثالث في الحرب، هي الوحيدة الراغبة في استمرارها، ولكنها، ورغم ربحها الكثير من المعارك في الماضي، إلاّ أنها في الطريق إلى خسارة الحرب، لفقدانها المتسارع للتعاطف الشعبي والرسمي الدوليين وتحميلها مسئولية ما آلت إليه أوضاع العالم، فلم تعد «ديفيد» الصغير.