تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصين‭ ‬تحاصر‭ ‬أميركا‭ ‬بسلاح‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية

الصين‭ ‬تحاصر‭ ‬أميركا‭ ‬بسلاح‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية

دخلت‭ ‬المواجهة‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬مرحلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬التقليدية،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‭ ‬والأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬ساحات‭ ‬الصراع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬القوتين‭. ‬ففي‭ ‬نوفمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬تراجع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬تهديداته‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الصين،‭ ‬مقابل‭ ‬موافقة‭ ‬بكين‭ ‬على‭ ‬هدنة‭ ‬لمدة‭ ‬عام‭ ‬بشأن‭ ‬ضوابط‭ ‬تصدير‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬ومعادن‭ ‬أخرى‭.‬
ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬تقول‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬إنها‭ ‬استغلت‭ ‬الهدنة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬وتأمين‭ ‬مصادر‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحلفاء،‭ ‬بهدف‭ ‬تقليص‭ ‬النفوذ‭ ‬الذي‭ ‬تمتلكه‭ ‬بكين‭ ‬نتيجة‭ ‬سيطرتها‭ ‬الواسعة‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬الضرورية‭ ‬للصناعات‭ ‬المتقدمة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬بديل‭ ‬حقيقي‭ ‬للصين‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ضخ‭ ‬الأموال،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرة‭ ‬إنتاجية‭ ‬تنافسية‭ ‬وتحالفات‭ ‬دولية‭ ‬مستقرة‭ ‬وضمان‭ ‬إمدادات‭ ‬المعادن‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

دعم‭ ‬ملياري

شهدت‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭ ‬نشاطاً‭ ‬مالياً‭ ‬وبيروقراطياً‭ ‬واسعاً‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬واتخذت‭ ‬واشنطن‭ ‬خطوة‭ ‬غير‭ ‬معتادة‭ ‬بالاستحواذ‭ ‬على‭ ‬حصص‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬شراء‭ ‬ودعم‭ ‬ائتماني‭ ‬وقروض‭ ‬ومنح‭ ‬تقول‭ ‬الإدارة‭ ‬إن‭ ‬قيمتها‭ ‬الإجمالية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬
ويكشف‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬مدى‭ ‬إدراك‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬قطاع‭ ‬تجاري،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والصناعي‭. ‬فهذه‭ ‬المعادن‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صناعات‭ ‬البطاريات‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬مورد‭ ‬خارجي‭ ‬يمنحه‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأميركية‭.‬
أما‭ ‬أبرز‭ ‬التحركات‭ ‬الخارجية،‭ ‬فتمثل‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬الذي‭ ‬وقعته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مع‭ ‬أستراليا‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬والذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬أميركية‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬تعدين‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭. ‬وتمتلك‭ ‬أستراليا‭ ‬موارد‭ ‬معدنية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أحد‭ ‬الخيارات‭ ‬الأكثر‭ ‬منطقية‭ ‬أمام‭ ‬واشنطن‭ ‬لتنويع‭ ‬الإمدادات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الصين‭.‬

تحالفات‭ ‬هشة

لكن‭ ‬خارج‭ ‬أستراليا‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬واشنطن‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬عليها،‭ ‬مثل‭ ‬جمهورية‭ ‬الكونغو‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬تبدو‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأميركية‭ ‬أقل‭ ‬تماسكاً‭. ‬فقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬اتفاقات‭ ‬تجارية‭ ‬تستخدم‭ ‬التهديد‭ ‬بالرسوم‭ ‬والقيود‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬تنازلات،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬محاولة‭ ‬تأسيس‭ ‬تحالف‭ ‬دولي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬بشأن‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية‭.‬
وتضمنت‭ ‬بعض‭ ‬الصفقات‭ ‬بنوداً‭ ‬تستهدف‭ ‬دفع‭ ‬الشركاء‭ ‬إلى‭ ‬استبعاد‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬كمشترين،‭ ‬وتوجيه‭ ‬صادرات‭ ‬المعادن‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬صناعاتهم‭ ‬المحلية‭. ‬لكن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬يظل‭ ‬موضع‭ ‬شك،‭ ‬لأن‭ ‬بناء‭ ‬سلسلة‭ ‬توريد‭ ‬مستقرة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬ومصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬متبادلة،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬تجارية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأمد‭.‬
وتبرز‭ ‬إندونيسيا‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬صعوبة‭ ‬المهمة‭ ‬الأميركية،‭ ‬إذ‭ ‬تنتج‭ ‬نحو‭ ‬ثلثي‭ ‬النيكل‭ ‬العالمي‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬البطاريات‭ ‬وتقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬وتوربينات‭ ‬الرياح‭. ‬وخلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬استثمرت‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وأنشأت‭ ‬سلسلة‭ ‬إمداد‭ ‬متكاملة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬التعدين‭ ‬وتمتد‭ ‬حتى‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭.‬

معضلة‭ ‬النيكل

حاول‭ ‬ترامب‭ ‬منافسة‭ ‬هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتفاق‭ ‬يدفع‭ ‬إندونيسيا‭ ‬إلى‭ ‬توريد‭ ‬النيكل‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكن‭ ‬الاتفاق‭ ‬تعرض‭ ‬لضربة‭ ‬بعدما‭ ‬قضت‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬بعدم‭ ‬دستورية‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬التي‭ ‬استخدمها‭ ‬ترامب‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الشركاء‭ ‬التجاريين‭.‬
وردت‭ ‬الإدارة‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬بديلة،‭ ‬لكنها‭ ‬تواجه‭ ‬بدورها‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬القانوني‭ ‬والسياسي،‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬تصدق‭ ‬إندونيسيا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الاتفاق‭. ‬ويضع‭ ‬ذلك‭ ‬واشنطن‭ ‬أمام‭ ‬منافسة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة،‭ ‬إذ‭ ‬تحاول‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬تجارية‭ ‬متغيرة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬علاقة‭ ‬صينية‭-‬إندونيسية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمصالح‭ ‬الصناعية‭ ‬المتشابكة‭.‬
ولا‭ ‬تبدو‭ ‬المشكلة‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الثنائية‭. ‬ففي‭ ‬فبراير،‭ ‬دعا‭ ‬ترامب‭ ‬54‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬اجتماع‭ ‬يستهدف‭ ‬تأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬المعادن‭ ‬الحيوية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬محاولة‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬السبع‭ ‬خلال‭ ‬اجتماعها‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬يونيو‭.‬

أسعار‭ ‬مضمونة

لكن‭ ‬بناء‭ ‬منافس‭ ‬حقيقي‭ ‬للصين‭ ‬يتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬المعادلة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬والأسعار‭. ‬فالمنتجون‭ ‬الجدد‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬ضمانات‭ ‬بأن‭ ‬مشروعاتهم‭ ‬ستظل‭ ‬مربحة‭ ‬إذا‭ ‬خفضت‭ ‬الصين‭ ‬أسعار‭ ‬صادراتها‭ ‬أو‭ ‬أغرقت‭ ‬الأسواق‭ ‬بإمدادات‭ ‬رخيصة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬فكرة‭ ‬وضع‭ ‬حدود‭ ‬دنيا‭ ‬للأسعار‭ ‬تضمن‭ ‬مستوى‭ ‬معيناً‭ ‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬للشركات‭.‬
وهنا‭ ‬ظهرت‭ ‬مشكلة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الحكومات‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬أبدت‭ ‬شكوكاً‭ ‬بشأن‭ ‬قدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬تصميم‭ ‬آلية‭ ‬للأسعار‭ ‬تراعي‭ ‬مصالح‭ ‬جميع‭ ‬المشاركين،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لخدمة‭ ‬الشركات‭ ‬والمصالح‭ ‬الأميركية‭.‬
وتتضاعف‭ ‬هذه‭ ‬الشكوك‭ ‬بسبب‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬لإدارة‭ ‬ترامب‭. ‬فالاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لم‭ ‬ينس‭ ‬محاولاته‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬ضم‭ ‬غرينلاند‭ ‬بسبب‭ ‬ثرواتها‭ ‬المعدنية،‭ ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬أعادت‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬مطالبة‭ ‬واشنطن‭ ‬حلفاءها‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬جماعية‭ ‬للمعادن،‭ ‬وبين‭ ‬تبنيها‭ ‬نهجاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬أميركا‭ ‬أولاً‮»‬‭.‬

ثقة‭ ‬متراجعة

وتجلت‭ ‬حساسية‭ ‬ملف‭ ‬غرينلاند‭ ‬مجدداً‭ ‬عندما‭ ‬اضطرت‭ ‬حكومتها‭ ‬خلال‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬تحذير‭ ‬ائتلاف‭ ‬للتعدين‭ ‬مرتبط‭ ‬بمقدم‭ ‬البرامج‭ ‬التلفزيونية‭ ‬‮«‬د‭. ‬فيل‮»‬،‭ ‬المعروف‭ ‬بتأييده‭ ‬لترامب،‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬عمليات‭ ‬للتنقيب‭ ‬عن‭ ‬النفط‭ ‬دون‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬إذن‭.‬
وفي‭ ‬الداخل‭ ‬الأميركي،‭ ‬تثير‭ ‬طريقة‭ ‬توزيع‭ ‬الدعم‭ ‬تساؤلات‭ ‬أخرى‭ ‬حول‭ ‬كفاءة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فقد‭ ‬ذهبت‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬المخصصة‭ ‬لقطاع‭ ‬التعدين‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬يفتقر‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬المجال،‭ ‬فيما‭ ‬ترتبط‭ ‬شركات‭ ‬أخرى‭ ‬بعلاقات‭ ‬مالية‭ ‬مع‭ ‬شخصيات‭ ‬داخل‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الانتقادات‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭ ‬تتسم‭ ‬بالتشتت‭ ‬ومحاباة‭ ‬شركات‭ ‬بعينها‭.‬
وتبدو‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اتبعته‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عقود‭ ‬لبناء‭ ‬هيمنتها‭ ‬الحالية‭. ‬فقد‭ ‬واجهت‭ ‬بكين‭ ‬إخفاقات‭ ‬بدورها،‭ ‬ومنها‭ ‬محاولة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬اليابان‭ ‬باستخدام‭ ‬ضوابط‭ ‬تصدير‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬والتي‭ ‬أضعفها‭ ‬انتشار‭ ‬عمليات‭ ‬التهريب‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬عمال‭ ‬تعدين‭ ‬غير‭ ‬نظاميين‭.‬
قبضة‭ ‬صينية

لكن‭ ‬الصين‭ ‬استخلصت‭ ‬الدروس‭ ‬وأعادت‭ ‬تنظيم‭ ‬الصناعة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬سلسلة‭ ‬إمداد‭ ‬أكثر‭ ‬إحكاماً‭ ‬وتركيز‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬مجموعتين‭ ‬رئيسيتين‭ ‬هما‭ ‬‮«‬مجموعة‭ ‬الصين‭ ‬للمعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‮»‬‭ ‬و«مجموعة‭ ‬المعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬الشمالية‭ ‬الصينية‮»‬‭.‬
وتعمل‭ ‬المجموعتان‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬حكومية‭ ‬مشددة‭ ‬تشمل‭ ‬قيوداً‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬الدولي‭ ‬للتقنيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمعادن‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عقوبات‭ ‬جنائية‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬التهريب‭. ‬وبذلك‭ ‬تحولت‭ ‬السيطرة‭ ‬الصينية‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬احتياطيات‭ ‬وإنتاج‭ ‬كبير‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬تشمل‭ ‬التعدين‭ ‬والمعالجة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتصدير‭.‬
وهذه‭ ‬القدرة‭ ‬تمنح‭ ‬بكين‭ ‬نفوذاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬حصتها‭ ‬السوقية،‭ ‬لأنها‭ ‬تستطيع‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬اختناق‭ ‬صناعية‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المنافسين‭ ‬إيجاد‭ ‬بدائل‭ ‬لها‭ ‬سريعاً‭. ‬ولهذا‭ ‬تظل‭ ‬احتمالات‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات‭ ‬بسبب‭ ‬القيود‭ ‬الصينية‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬للشركات‭ ‬والحكومات‭ ‬الغربية‭.‬
وقد‭ ‬قدم‭ ‬الإربيوم‭ ‬مثالاً‭ ‬حديثاً‭ ‬على‭ ‬حساسية‭ ‬الأسواق،‭ ‬بعدما‭ ‬قفز‭ ‬سعر‭ ‬المعدن‭ ‬الأرضي‭ ‬النادر‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬فرض‭ ‬الصين‭ ‬قيوداً‭ ‬على‭ ‬تصديره‭ ‬عقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الهدنة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭. ‬ويعكس‭ ‬تحرك‭ ‬الأسعار‭ ‬مدى‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬القرارات‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬تكاليف‭ ‬الصناعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المواد‭.‬

سباق‭ ‬النفوذ

ولا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬اقتصاداً‭ ‬أكثر‭ ‬ثراءً‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬نصيب‭ ‬الفرد،‭ ‬وتمتلك‭ ‬أسواق‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬وشركات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وقدرات‭ ‬بحثية‭ ‬هائلة‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬لبناء‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬بديلة‭.‬
لكن‭ ‬امتلاك‭ ‬الأموال‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬المنافسة‭ ‬حول‭ ‬نقاط‭ ‬الاختناق‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فالصين‭ ‬بنت‭ ‬موقعها‭ ‬عبر‭ ‬استراتيجية‭ ‬امتدت‭ ‬لعقود،‭ ‬بينما‭ ‬تحاول‭ ‬واشنطن‭ ‬تقليص‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬وسط‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬التجارية‭ ‬وخلافات‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬وشكوك‭ ‬قانونية‭ ‬بشأن‭ ‬أدوات‭ ‬الضغط‭ ‬التي‭ ‬تستخدمها‭.‬

رجوع لأعلى